محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

سامي نصرالله النمري.. وداعاً

طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
أ. د. كميل موسى فرام

ويترجل فارس آخر من فرسان التعليم في الأردن، الأستاذ سامي نصرالله النمري، الذي امتهن هذه المهنة المقدسة لإيمانه على صنع الفرق والتغيير، ولحرصه على تنشئة جيل مسلح بالعلم والمعرفة، فهو أحد المعلمين الذين تركوا بصمات على مستقبل الأجيال وانعكست بمحصولها على نهضة علمية تمثلت بهذا الرصيد الهائل من العرفان والمحبة للذين تتلمذوا في العصر الذهبي للتعليم على مستوى الوطن؛ العصر الذي كان يقدس المهنة باعتبارها لغة الحرف والكلمة لتنسج معطف الحياة بعد ترصين خلاياها، وكان الطالب يرى في الجامعة والمدرسة المحراب والقبلة حيث المعلم هو المرشد، بعطاء غير محدد، يدرس مناهج ذات قيمة حقيقية بالمحتوى تخلو من التنظير وتراكم البطولات، فكان مستوى الطالب بأي من مراحله الدراسية، بمهارات تتعدى حدود حاضرنا.

تشرفت بأن تتلمذت على يديه بمادة اللغة الإنجليزية في منتصف سبعينات القرن الماضي بالمرحلة العمرية الذهبية؛ مرحلة الدراسة الإعدادية سابقا (المتوسطة بالتسميات الحديثة)، أتذكر كلماته وأمثلته حتى الساعة حيث المهارة والقدرة على توصيل المعلومة لصف يجلس على مقاعده بحدود أربعين طالباً، نتنافس بشرف وغيرة لم تتلوث بالحسد والمكر، وربما أن إحدى قصص اللغة الإنجليزية المشهورة «حول العالم بثمانين يوماً»، ما زالت خالدة بالذهن بأحداثها حتى اليوم، وهي مقرر القصة لامتحان الإعدادية في ذلك العصر، تعلمنا جزءا يسير من قواعد اللغة وأبجدياتها، ساعدتنا حتى اليوم باستخدام صحيح للمفردات، لأن المعلم والكتاب هما المصدران الرئيسيان للمعرفة والمعلومة. كان لقاءي الأخير معه منذ سنوات، بسلام أبوي اعتراف بفضله وجميله على جيلي من الطلبة، حيث امتهن التدريس لنصف قرن من الزمن في مدارس الوطن والدول العربية حسب نظام الإعارة الذي كان يعطي الفرصة لتحسين دخل المعلم بفائدة متبادلة مع الدولة المستضيفة.

استاذي الفاضل: إنني أدرك أن الموت هو النهاية الحتمية للحياة، وهو أمر غير مرحب به بأي وقت وتحت أي ظرف، ولكنه المناسبة اليتيمة التي تترجم الداخل الحقيقي لرصيد الفرد بقلوب المحيطين، فتذكر المناقب وتفرض الصور والمواقف الجميلة والعظيمة ذاتها على الحضور الذين يتشاركون الحزن ولوعة الفقدان، لحظات الوداع والفراق قاسية بأي من مسمياتها وصورها، تسجل وتختزن في القلب والذاكرة، تعيد شريط عطاء وذكريات، لتشعرنا بفداحة الخسارة، تنساب دموعنا بغدير عفوي لرحيل أشخاص قدموا نماذج من التضحيات لقهر الجهل، ليفرض العلم حضوره، فخبر رحيلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي شكّل صدمة لتلاميذك ومحبيك، خنقتنا الدموع بعد تجميد قهري ملزم للعواطف، فرصة لمراجعة الذات لعمل الخير للمستقبل، ودعناك وأنت واحدٌ من جيل المربين والأساتذة الافاضل المؤمنين بالرسالة التربوية العظيمة، الناكرين للذات، من ذلك الزمن الجميل البعيد، زمن التضحيات الحقيقية لصنع جيل متعلم خصوصا في أريافنا التي تتميز بسلاح العلم وضيق ذات اليد للأسر، كنت أستاذا مثاليا قريبا من الجميع، استخدمت الشدة الأبوية بمواقف مستحقة بهندام وكبرياء جعلك المثل والقدوة، فارقت الدنيا بإرادة ربانية بعد مسيرة عطاء عريضة، ومشوار حياة في السلك التعليمي والعمل التربوي والاجتماعي، تاركاً سيرة عطرة، وذكرى طيبة تغلفها روحاً نقية صافية.

أستاذي الفاضل: أنت الذي لا تكتب له الكلمات بمداد القلم بل بمداد القلب، وإن رحيلك وقع علينا وقع الصاعقة، لكن عزاءنا أنك حيٌّ في قلوبنا، اختطّ اسمك على جدارية القلوب، فحجزت اسمك في بُردى الوطن باستحقاق على أيقونة التضحيات، ننزف الحزن لنعود بذكريات كانت هي الأجمل في متاحف حياتنا، كنت رسول المعرفة، أنموذجاً ومثلاً يحتذى في البساطة والوداعة والرقة والعطف والحنان وعمل الخير وسمو الاخلاق وطهارة النفس والروح ونقاء القلب والعفوية والتسامح، امتطيت جواد مهنة ورسالة هي من أصعب المهن، وأهم الرسالات؛ رسالة التربية والعلم، بكل ما تحمله في طياتها من المعاني، التي في صُلبها بناء الانسان، الوطن، وبناء المجتمع، حيث تتنافس الحضارات، فكنت المدرّس والموجه والأب والأخ الحنون لكل من عرفك من أساتذة وأهل وطلاب، أعطيت من علمِك، حكمتك، جهدك، فأثمرت خيرات ونجاحات وفيرة تشهد عليها أجيال وأجيال، نقشت بذاكرة الزمن ممن تربوا على فكرك وعطاءِك، وها أنت تغادرنا بصمت وسلام استجابة لنداءٍ رباني، ونحن بأحوج الحاجة لحكمتك للامتثال بقيم العطاء والمعرفة.

أستاذي الغالي: الحياةُ مسيرةٌ ورحلة محطات متسلسلة عبر الأجيال، لا بد أن تنتهيَ وأعمالُ الإنسانِ بأي منها تخلِّدُ ذكراه وتفتحُ له مكانًا في الفردوس السماوي، فلنملأْها بالحبِ والخيرِ والصداقةِ والحكمةِ ومخافةِ الله، إن العطاء في الحياة سر من أسرار الخلود، سر عرفته وعرفت كيف تجعله نهجا ونمطا لحياتك، فمهما حاول الموت، لن يمحو ذكر من أعطى كل هذا العطاء، فحقائق التاريخ الصامدة تحافظ على أيقونة الثروة التي يبقيها الانسان بعد موته والمتمثلة بمحبة الناس، أرثيك اليوم باعتذار للتقصير عن التواصل حيث ظروف الحياة المستجدة تُبعد المسافات ولكنها لن تستطيع إبعاد القلوب، لك الرحمة ولنا العزاء وللحديث بقية.

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress