كتاب

جــامــعــة الـيـرمــوك.. رمــزيـــة الاحـتـفــال ودلالـتـــه

أنحاز إلى جامعة اليرموك «حاضنة الشمال» وأُسرُّ كلما طفتُ رحابها وأنا العامل فيها وحُقّ لي ولغيري أن تكون اليرموك الجامعة والمؤسسة الوطنية الحاضرة في المشهد الأردني بقوة والمتفاعلة مع أحداثه شبراً بشبر وذراعاً بذراع، هي الأقرب من سواد عينيه لبياضها وهي التي لم تنحرف عن المسار القويم بل سارت بخط مستقيم فكانت وما زالت عند حسن ظن القائد كما كانت درّة في قلب الحسين مؤسسُها قبل نحو نصف قرن من الزمن، اليرموك الأم والأب والأخ لكل من يمّمَ وجهه شطرها قِبلةً للعلمِ ووجهة للتميز محليًا وعربيًا ودوليًا، واليرموك المعلم والأستاذة التي قدمت خيرة الخيرة وما زالت «فتاة» ممشوقة القوام تتيه بشعرها الأسود وتفرد أجنحتها هنا وهناك وتعطي صبيحة كل نهار للأردن وللعروبة قيماً وأخلاقاً وتماسكًا، فيا أيها المارّون بها انظروا إلى ثمار شجرة الحسين فيها التي مدّ إليها عبدالله كأس ماء زُلالٍ فارتوت وتعالت وازدان جبينها المرصّع بيرموك خالد والحضارة والإسلام.

أول من أمس أقامت الجامعة احتفالاً كبيراً بالعيد الستين لميلاد جلالة الملك عبدالله الثاني. كان احتفالا يليق بالحدث، والجامعة التي تعرف إدارتها أن ميلاد القائد الذي كان في كانون الثاني الماضي أرادت أن يكون «المهرجان» الاحتفالي متأخرًا في التوقيت لأكثر من سبب أولها كي يأتي متزامنًا مع الذكرى الرابعة بعد الخمسين لمعركة الكرامة الخالدة وبكل ما تعنيه في قلب ووجدان وضمير الملك، وثانيهما أنّ اليرموك لا تكتفي بحفل شكلي تلقى فيه الكلمات والسلام، إنما أرادت أن يكون الحدث إيذانًا بعودة الروح إلى جنباتها بعد عامين من الانقباض القسري الذي فرضته جائحة كورونا، ولعلّ في ذلك أولى دلالات رمزية الاحتفال في هذا التوقيت على وجه التحديد.

المتتبع للحفل الذي حضره الآلاف من طلبة الجامعة يقف على حقيقة لا يمكن إنكارها تتمثل فيما نحن عليه في هذا البنيان الأردني المتراص انطلاقا من القاعدة الأساسية التي انتهجتها القيادة الهاشمية في بناء الدولة إلى تعميق الروابط المتينة بين الحاكم والمحكوم على قاعدة التوادّ والتراحم وإذابة الفوارق، فالطلبة الذين خرجوا زرافات ووحدانا كانوا عفويين وتلقائيين ولم تتكلف الجامعة أن ترسل إلي أي منهم إعلانا ولا رسالة ولم تُجنّد المخابرات اجهزتها لتعبئة الطلبة على الحضور، لكنهم جاءوا بملء الحب العامر في قلوبهم لقائدهم ووطنهم وهم المتابعون والعارفون بحقيقة دور الأردن الذي ينهض به جلالة الملك في هذه الآونة الدقيقة من عُمر المملكة خاصة والأمة العربية عامة، فجاء هؤلاء ليقولوا لسيدهم: كلنا معك.

من جامعة اليرموك برهن الأردنيون مُجددًأ أن انتماءهم للوطن وولاءهم لجلالة الملك هو ولاء المحبة والشكر وولاء الأحرار وولاء التعلق والتمسك بالأرض والعمل لأنفسنا وللأجيال القادمة بمفهوم جمعي نؤمن فيه أن الملك ركن ومكون أساسي في البناء الوطني، فما احتفال جامعة اليرموك إلا تأكيد للبيعة بين الهاشميين والشعب الأردني التي سطرها الأجداد والتزم بها الآباء وتوارثها الأولاد والأحفاد، فهي بيعة الدم والجسد والعقل.