يمثل انعدام تطبيق أسس المؤسسية في القرارات والمشاريع والتوصيات بمؤسساتنا الحكومية والخاصة واحدا من التحديات التي تعيق مسيرة التقدم، تحتاج لمراجعة سريعة بهدف إعادة تنظيم وترتيب أولوياتها بما ينسجم مع المتطلبات العصرية التي ننشدها ضمن عالمنا المجنون..
وللتوضيح، علينا أن نعترف بوجود سلطوية أو فردية بالرؤية الصحيحة للقرارات التي تُتَخذ يمتلكها الرجل الأول بأي مؤسسة بحكم موقعه، لوجود الصلاحيات شبه المُطلقة التي يسمح له فيها النظام و/أو القانون الذي ينظم العمل بممارستها بالرغم من اختلاف المسميات للمجالس وتنوع أعضائها، سواء المجالس الداخلية الخاصة أو المجالس التي تشكل ضمن أنظمة وقوانين تحكمها، فنرى القرارات التي تصدر باسم أي مجلس أو هيئة، تتضمن في ظاهرها نتائج مناقشات ديمقراطية، قد تفضي لحسم القرارات بالتصويت، لكن واقعها الفعلي، موافقة على رؤية أحادية يراها ?لرئيس أو المدير أو صاحب المركز الأول، لنجد أن هناك تناقضات كبيرة ومتعددة بفتوى الاجتهاد، تظهر بوادرها عند التغيير، فكثير من القرارات ذات التأثير العام، قد نالها نصيب التجميد والإلغاء بتغير صاحب القرار، بالرغم أنه قرار باسم مجلس أو هيئة، لم تتغير تشكيلته/ تشكيلتها، إلا حصرية تغيير رئيسها أو مديرها لظروف العمل.
انعدام المؤسسية يجعل من القرارات رهنا لأمنيات بمدى يطول، ذات تصنيفات يعتمد انعكاسها على الفرد والمجموعة بالترتيب، فالقرارات التي تفصَّل (وما أكثرها) بمقاسات معينة وضمن شروط العدالة الظاهرية، يجعل من تطبيقها خدمة لشخص أو مجموعة، وبذات الوقت أمنية لآخرين بإنهاء الخدمات أو تغيير لصاحب القرار، واقع يضيف هشاشة على الرؤية، يحجّم فرص الثقة، يمنع الاجتهاد ضمن آمال الطموح، لأن حصرية الفائدة قد أثرت سلبا، خصوصا إذا عرفنا أن جزءاًً كبيراً من القرارات يقع تحت عنوان رد الجميل أو الانتقام لإثبات الحضور بعد تبدل الظروف.
وجود حزام ناسف من حرس القرارات المتنفذين والمتنفعين، يحيط بالمسؤول لحمايته من الاختراق، يضاعف الوهن والمشكلة، يوهمه بسلامة التفكير بالتصفيق ويضعف المصداقية للطرفين، وهو أمر عجيب ننتقده ونمارسه بذات الوقت حتى لو كنا في مكان وظرف سابق، ضحايا لمثل هذا السلوك المقيت، ليقفز سؤال يفرض حضوره ويبحث عن إجابة مقنعة عن وجود رابط أو علاقة تعاقدية ووجودية بين كرسي المسؤولية وضبابية القرارات التي تمارس بسلطته، لأن الحاشية المحيطة تستخدم نفس العبارات من ذات القاموس للتعبير والتصفيق، باستبدال يتيم لمن يملك صلاحية التوقيع،?ليكرس مبدأ قرارات المجالس والهيئات بصورة ديمقراطية تحترم بظاهرها تشريعاتها الناظمة، ولكنها فعليا تفتقر لأدنى مبادئ الصواب والعدالة، واقع يزيد الفجوة ويعظِّم الشرخ للفئة المستهدفة، دون أن يتذكر البعض الواقع الصحيح لمستقبل التغيير والجلوس على منصة المعارضة أو التقاعد، بوجود مغصة ألم تنخر بداخله ولا يقوى على التعبير أحيانا لارتكابه جملة من الأخطاء التي ينتقدها اليوم بعد أن أصبح الضحية حسب تصوره، خصوصا بين تلك الفئة التي لم تتمكن من التوريث أو أوصلتها ظروف عابرة انتهت ارتداداتها.
التحديات الجديدة لمسيرتنا، تحتاج مراجعة ذاتية، تقييما أمينا للسلوك والنتائج على مستوى الفرد والمؤسسة بجزئية تحتل مساحة من أمانينا ومستقبلنا، بهدف ترسيخ مبدأ المؤسسية الذي يصنع السياسات المستقلة التي لا يرتبط تنفيذها أو تغييرها بأشخاص، لأن الاستمرار بهذا الأسلوب يضاعف من حجم الخسارة، ويجعل مهمة الإصلاح المستقبلية معقدة تتطلب الترحيل، ففرصتنا اليوم لمراجعة الذات، تمنحنا قوة التصميم على التغيير الصحيح لو اعترفنا أننا جزء من الكل ولسنا الكل في جزء، فلا يعيب المسؤول الاعتراف بالخطأ بهدف التصحيح، ولن تكون جريمة ?لاستفراد بالرأي تهمة محققة لأي من العرابين، كما أن تشكيل المجالس والهيئات من الألوان الفكرية المختلفة، تعطيها قوة الاستمرارية وتمنحها درجة الاحترام الكاملة، بعيدا عن الضغوطات والإملاءات أو ربما ضعف إداري يحتم الاعتماد على الغير بتوجيله بوصلة الإدارة، فنحن بحاجة لثورة إدارية، فعلية وفورية، بل لخارطة طريق واضحة تمنع التعديل المزاجي أو تقبل لمسات المطبلين، ليكون للواقع والحقيقة مقعد الصدارة بقيادة المركب، مع تجميد وشطب نهائي لقائمة مبررات الإخفاق، بل جرد حساب لتقديم الشكر للمنجز أو حفل وداع للتبديل الإداري ال?ستحق، ضمن فترة أداء زمنية، يقررها طبيعة العمل وظروفه.
الوطن غني بالكفاءات الإدارية، التسلسل الوظيفي طريق معبد يوصل للنجاح بتميز بمحطة المسؤولية بعد بذل جهد ومتابعة بدون القفز أو الهبوط بمضلات المحسوبية، مرحلة النضوج الفكري والتوسع المعرفي، سمحت للجميع بمعرفة الحقيقة دون احتكار، سقوط المسؤول الضعيف وشطب سجل الإنجازات الوهمية المرتبطة به، مقاصة ندرك مدخلاتها ومخرجاتها وهي مادة الحديث والحوار في الصالونات السياسية ومجموعات التفاعل الاجتماعي، لأن مؤسسية القرارات هي هيكل النجاح والفشل وللحديث بقية.