عندما تشتبك صغار الدول يقال انها حرب اقليمية مثل النزاع بين أرمينيا وأذربيجان على مقاطعة «ناغورنو كاراباخ»، أو أهلية مثل اليمن والصومال وسوريا.. وعندما يشتبك الكبار فهي حرب عالمية. لكن ما يحدث في أوكرانيا اليوم ليس هذا أو ذاك.. إنها ببساطة حرب عالمية مصغّرة غير مسموح لها بالتوسع! السؤال الآخر المهم في هذا الاتجاه هو كيف ستنتهي هذه الحرب المحدودة جغرافيا والمفتوحة اقتصاديا على اتساع العالم؟ يجيب الصحفي الاميركي الأبرز «توماس فريدمان» المشهود له بخبرته و'موضوعيته»، على هذا السؤال بطرح ثلاثة سيناريوهات أو احتمالات، لأنه مثل «جو بايدن» و'فلاديمير بوتين» لا يعرف الاجابة الصحيحة! السيناريو الاول يسمّيه «بالكارثة الشاملة» بمعنى الاستمرار في الحرب الى أجل غير مسمّى، واستنزاف روسيا عسكريا واقتصاديا، مع حتمية استمرار ارتفاع اسعار البترول والغاز والتداعيات الاقتصادية الكارثية المترتبة على ذلك لباقي الفرقاء وخاصة لأوروبا المرفّهة.
الاحتمال الثاني يصفه فريدمان بسيناريو «الخلاص» عن طريق ازاحة «بوتين» من الداخل واحلال زعيم جديد لروسيا على غرار رئيس اوكرانيا الحالي «زيلنسكي». وتأتي دعوة السناتور الجمهوري البارز» لندسي غراهام» قبل ايام الى اغتيال «بوتين» في نفس السياق؟ وثالثا السيناريو الذي يصفه «بالحل الوسط القذر'Dirty Compromise الذي يعني بقاء أوكرانيا على حالها بعد انسحاب القوات الروسية منها، دون الانضمام لحلف الناتو، ودون الرضوخ لهيمنة موسكو.
اللافت للانتباه هنا وصف هذا السنياريو «بالقذارة'! ولفهم هذا النمط من التفكير لعله من المفيد التذكير بتجربة تاريخية شبيهة دارت أحداثها في ربيع عام 1962، عندما وقف العالم على شفير حرب كونية ثالثة، ولم يكن قد مضى على نفض غبار الحرب العالمية الثانية الا 17 عاماً فقط، وذلك بسبب ما عرف في حينه «بأزمة الصواريخ الكوبية».
في أوج تلك الازمة أصر «جون كندي» على سحب الصواريخ الروسية التي كان الرئيس السوفياتي «نيكيتا خورتشوف» الاوكراني الاصل قد أوعز بنصبها في الاراضي الكوبية، لأنه اعتبر تلك الصواريخ تهديدا لسيادة أميركا في عقر دارها! اما نصب تلك الصواريخ الروسية في كوبا فقد جاء اثر فشل المعارضة الكوبية المسلحة المدعومة من أميركا في الاطاحة بنظام «فيدل كاسترو» في المواجهة العسكرية الشهيرة في «خليج الخنازير» على يد قوات كاسترو، الذي كان قبل ذلك بستة أشهر فقط، قد أطاح بنظام الدكتاتور الكوبي «فلوغينسيو باتيستا» الذي كان مواليا لأميركا.
وكأن التاريخ يتكرر اليوم مع فارق جوهري يتمثل في تبادل الأدوار بين اللاعبين الكبيرين. فالرئيس الروسي «فلاديمر بوتين» هو من يتهم حلف الاطلسي بقيادة الولايات المتحدة اليوم بمحاولة التوسع عن طريق ضم «اوكرانيا»، مذكّرا بتعهد وزير خارجية أميركا «جيمس بيكر» في عهد الرئيس «رونالد ريغان» للرئيس السوفياتي «ميخائيل غورباتشوف» بأن حلف الناتو في أوروبا لن يتمدد شبرا واحدا نحو الشرق في حال تفكك حلف وارسو.
انتهت أزمة كوبا في حينه بدون حرب وعادت الحرب الباردة الى مجاريها حتى الامس القريب حين بدأت الاسئلة حول مستقبل «اوكرانيا» وانضمامها لحلف الناتو أو عدمه، تطرح في الأروقة السياسية في الشرق والغرب. مما أدى الى تأرجح التوازن الاستراتيجي العالمي وبالتالي لجوء روسيا الي لغة القوة كما نتابع اليوم، وفي أجواء اخطر بكثير من أزمة كوبا قبل 60 عاما، وكأن روسيا «بوتين» تبنت فلسفة النظرية الشعبية القائلة «لتكن وجبة الغذاء من حصتي قبل ان يلتهموني في وجبة العشاء'! خلاصة القول ان بعض الخبراء المؤثرين في صنع الرأي العالم والعارفين بخبايا الأمور مثل فريدمان والسناتور غراهام يطوون، سهوا أو عمدا، بعض الصفحات الهامة من التاريخ التي وثقت سيناريوهات «الحل الوسط» مثل ذلك الذي أنقذ العالم من حرب عالمية ثالثة في ربيع عام 1962.. أما لماذا غض النظر عن دروس الماضي الناجحة واعتبار مثل هذه الحلول «قذرة»، فهو السؤال الذي يحتاج فعلا لبحث مترفع عن القذارة!