كنت أسير بمركبتي نحو هدف لي، طالما حلمت بأن أصل إليه باكراً.. كنت أستعد للزحف مبكّراً عند طلوع الشمس، لكن غلبتني نومة ثقيلة الظلّ والأحلام، من فئة كابوس واحد وكابوس اثنين وثلاثة.. استيقظت، كربَعْت فنجان قهوتي (سادة).. أنا أعشقها سادة، أرى أن حلاوة السّكر مصطنعة.. «لا أجمل من اللي حلاوته منّه وفيه».. عزمت أمري وتوكلّت على الله.. قرأت ما تيسّر لي من قصار السور التي تشرح القلب والفؤاد وتعين على المصاعب والشّداد.
زحفت نحو مركبتي التي كانت تتثاءب، تنظر إليّ باستعطاف ورجاء أن ألغي المشوار.. فمشوار الأمس وسط العذاب ما زال ماثلاً في ذاكرة مشعاعها (الراديتر لمن لا يفهم العربيّة).. حاولت بشتى الطرق إثنائي عن مغامرتي وسط متاهات معارك المدينة وسائقيها، لكن.. لا سبيل.. فمشواري إلى الزّرقاء، أية زرقاء، رحلة عذاب، أخطط له من عقود، وفي كلّ مرة أستجيب لرجاء المركبات المتكررة المتواترة على كراجي ولا أذهب.
انطلقت!!.. أخذتني الطريق نحو عقر الدوّار السّابع نصف دقيقة.. كانت المركبات تصطفّ يميناً عندما يلوح موكبي من تحت الجسر.. فركت عينيّ؛ نعم هو الصحيح. يااااه ما أجمل السابع!!.
للمرة الأولى أستطيع أن ألف أدور بوجهي بنواظري يمنة ويسرى لا كما الخيل المغمّم، أرى الأشجار والحدائق على جانبيه، والحسان يقطعن الطريق يتمكّـنّ من مسرب المشاة.
في غمضة عين قطعت شارع الشيخ الجليل (عبدالله غوشه) بلا أي طوشة؛ مع سائق أجرة يأبى إلا أن يطير بمركبته من مسارب فوق المركبات، ولا سائق طائرة تسير على أربع وقد خرج من القشرة لتوّه، يسعى إلى موعد تأخر عنه نصف يوم، يطارد عقارب الساعة وفلول المارة والمركبات الأخرى الحزينة... ولا دربكة ازدحام زچزاچي، أمام وخلف وعلى أجناب إشارة ضوئية.
انعطفت يميناً نحو نفق دوّار الحرمين. يااااه ما أجمل الدوار. سداح مداح. هي مركبة واحدة وختيار «إمصلح» بابور الكاااااز؛ (هكذا كان ينادي) من على بسكليته يروم رزقاً، وقد ركن السُّـوّاق مركباتهم احتراماً له في سعيه لرزقه.. كان الختيار يحيي الجموع بهزّة بإيماءة من رأسه وقد عنقر طربوشه للأمام.. بقيت خلفه حتى انعطف يمنة واستمررت نحو إشارة الرابية. يااااه ما أجملها.
كانت هناك سيدة واحدة فقط تنزّه كلبها.. وكان السّيّارة كلّ في حاله؛ لا أحد غمز لا أحد لمز. الطرقات تسير بمركباتها بسهولة ويسر، كلّ يفسح الطريق لمن يبدو مستعجلا لسبب ما، خلاف سباق بين مركباتهم خارج نطاق السباقات المبرمجة؛ بل هو سباق والسّلام مع من؟! لأي غرض؟! لا تعرف!!. كل يسابق كلّ »، نحو لا هدف سوى الشّعور بالغلبة و...فقط. في هذه الشوارع تتجلّى الرغبة الحميمة المحمومة بالشعور بالتفوّق السرعي الصرعي خارج نطاق التفوّق في سبق علمي فكري اقتصادي اجتماعي. هو سبق لغرض السّبق و...فقط.
وصلت الزّرقاء. ما أجمل الربيع والشجر في الرصيفة حيث المتنزّهات والعائلات تتفيّأ ظلال الشجر، والأطفال يلعبون مع جدودهم الختياريّة. عندما يكبر الإنسان يعود طفلا، يحبو مع الأطفال. كانت الساعة تشير إلى خمس عشرة دقيقة بعد منذ بدأت رحلتي. قضيت مهمتي بسهولة ويسر في دائرة هناك، كان الحاجب ينتظرني كمراجع؛ بترحاب، كذا المستوظف.
بدأت رحلة عودتي.. أبو زيد الهلالي «سلامة» و...سلامة تسلمك، صحوت على صوت زامور كما زامور قطار أو باخرة بخارية، صحوت وجدت أنني ما زلت أبعد عن بيتي مئة متر في رحلة (الذّهاب). كان السابع بعيداً بعيداً على صغر المسافة بيننا. كان الكل فوق الكلّ، وكانت الحياة السياقيّة السباقيّة المصارعية تدبّ فيه. هذا يزمّر لهذا أو... هكذا.. إثبات وجود!.. وذاك ينطر تتمحّك مركبته في مركبة ذاك أو في بدن ذاك وذاك.. هذه سيدة «تتنطط» على مسرب المشاة وسط سيل لا ينقطع ولا أحد يقف. الجميع على موعد مسبق، الجميع متأخرون عن مواعيدهم.
صحوت.. حمدت الله أنني في سريري بخير، لم أتعرض لخناقة لحادثة صدم (مقصود) أو غير مقصود، لحدث طار عن يمين مركبتي يبغي حشر مركبته في فسحة، أيّ فسحة بين مركبتين في الأمام ولو دخل على سيفه. لم يتلقّ زجاج مركبتي لطمة من علبة عصير فارغة أو كيس نايلون يحطّ علبة من نافذة مركبة أمامه. من يسوق مركبته هنا في الفجر ويعود في وقت العسس لمنزله لمشوار لا يتعدّى ساعة؛ لهو إنسان... وُلِدَ من جديد.