وجود المعارضة الوطنية علامة على صحة وعافية الحكومة ومؤسسات الدولة واستقرارها، فلا يمكن أن نتخيل أن يتفق جميع الناس على وجهات نظر أو مبادرات للتغلب على التحديات التي نواجهها خصوصا في حالات السلم وغياب الأزمات الخطيرة، فالمجتمع متعدد الأطياف والتوجهات ستتعدد طرق تفكيره وتقييمه لمختلف المقترحات التي تسعى جميعها لرفاه الناس وقوة الدولة وحفظ وحدة المجتمع.
صوت المعارضة الوطني الذي يتفق مع الحكومة على ضرورة علاج الملفات الساخنة كالبطالة والفقر ومحاربة الفساد، ويختلف معها بالوسائل والآليات الفعالة لعلاجها، صوت وطني بامتياز، وضروري كذلك. فاختلاف وجهات النظر على الطاولة يشجع جميع فئات المجتمع على الاشتباك مع القضايا العامة، خصوصا عندما تجد صوتا مسموعاً يعكس ويمثل ما يجول في خواطرها.
ضرورة وجود المعارضة لا تبرر ظاهرة المعارضة الصوتية والشعبوية التي تسطح وتختزل الاختلاف وتكثفه في جمل نارية قصيرة لتحريض الشارع العام وتسقط من حسابها الكثير من التفاصيل المهمة، فهذه المعارضة في أغلبها لا تمتلك مشروعاً بديلاً أو خططاً واضحة تستبدل بها ما تتهمه من الاليات والتوجهات بالفشل الذريع.
غياب المعارضة ذات البرامج الواضحة والحلول البديلة لما تعارضه يفسره انقطاع تجربة المعارضين في الإدارة العامة والنقص الحاد في المعلومات والإحصاءات العامة التي تحدد ملامح وحدود الملفات الساخنة وتعكس انطباعاً عاماً لما يجب فعله، إضافة إلى اضطرارها لإثبات وطنيتها وحشرها في زاوية اثبات حسن النية كما تعاني من التهميش المتعمد أحياناً.
إضافة لغياب ثقافة اشتباك مع المجتمع و قضاياه المحلية من خلال برامج واضحة تستند إلى تنظير فكري، واستقطاب بقية مكونات المجتمع لها، مقابل حضور أدوات استقطاب تزيد تعقيد المشهد ولا تفتح الباب إلا لأصوات منفردة تكاد لا تعبر إلا عن نفسها، وهذا يشمل الاستقطاب المناطقي أو العشائري والخدمي.
تحفيز المجتمع ونشر ثقافة الاختلاف والاشتباك بين أفراده وفتح باب التجربة للراغب من أفراده في أروقة الإدارة العامة والعمل السياسي إضافة لانتهاج الحكومة للشفافية في مشاركة المعلومات ضروري لولادة المعارضة الوطنية التي تتبادل مقاعد الحكومة والبرلمان بين أفرادها، وهذا يتضمن تعزيز دور البلديات ومجالس اللامركزية لتغري الشباب للانخراط بها وتمنحهم التجربة الضرورية لفهم آليات عمل المؤسسات وطبيعة المعادلات والتوازنات السياسية والمجتمعية، وكذلك فتح باب انخراط الشباب في العمل والتدريب في مكاتب النواب والأعيان وضمن طواقهم.
لا يكفي أن تدور نقاشات الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي بين النخب، إذ أن مخرجاتها في هذه الحالة لا تعني الشارع العام، ولكن يجب على النخب العمل على استقطاب الشارع واقناعه بوجهات نظرها وبرامج عملها، هذا الاستقطاب الساعي لبناء الحواضن الاجتماعية للنخب هو جوهر العمل الحزبي وأساسه، لذلك يجب أن تتدرج النخب ومعها المجتمع في التدرب والتعود عليه ليمسي ثقافة مجتمعية وضرورة نخبوية.
بلادنا تستحق معارضة ونخباً أفضل، وكذلك أولادنا يستحقون أن نقدم لهم مستقبلاً مليئاً بالفرص والأمل، لا بالتحديات والملفات التي ترحلها كل الحكومات.