محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

ذات ليلة.. مع الأطلال

طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
نادية ابراهيم القيسي

فنجان قهوة.. يفتر رويداً فوق طاولة منزوية في مقهى ضاع منه العنوان في زحام المكان والزمان.. مع كومة من أوراق متناثرة.. مبعثرة.. كأفكاري اللامتناهية.. وصوت أم كلثوم يصدح من بعيد.. وحنيني لك يكوي أضلعي.. والثواني جمرات في دمي..

تأبى هذه الكلمات.. من الأطلال الخالدة أن تتنحى جانباً وتتركني بسلام فلا تغزو خلايا عقلي الذي يكتنفه الضباب في فوضى عارمة باحثاً عن سردٍ جديد، لكن بلا جدوى.. يستمر دفق المعاني.. ليحتل كل كياني.. ويوقد كل تلك الذكريات الغارقة في السبات منذ أمدٍ طويل، ذكريات كنت أظنها في غيبوبة أبدية وأنها ستتلاشى تدريجياً بمرور العمر إلى مثواها الأخير، إلا إنني وجدتها ما زالت حيةً باقية تسكنني تقض من مضجعي على حين غرة برغم كل الرجاء والاستجداء.. المنبثق من تلك النغمات.. «أعطني حريتي أطلق يدي إنني أعطيت ما استبقيت شيئاً»..

بدأت التساؤلات هاهنا تعصف ذهني.. أين نحن اليوم من العلاقات الانسانية التي عايشناها باختلاف مضامينها.. في زمن باتت فيه الأنا ومن بعدي الطوفان.. شعاراً سائداً في أغلب الأحيان.. أين آلت تلك الصداقات.. التي نسجناها منذ نعومة الأظفار.. اصطحبناها في ريعان الشباب.. وتوسدناها في أَشدْ العمر؟ أين ذاك الشعور البريء الأول.. والشغف اللا مسبوق.. الذي تملكنا يوماً ما.. هل يا ترى جوابه:

«يا فؤادي لا تسل أين الهوى.. كان صرحاً من خيال فهوى»..

هل ما زال هناك بقايا أمل.. أن نحيا شبيهاً لتلك المشاعر.. تارةً أخرى قبل أن يدنو الأجل وتفيض الروح وترحل؟ هل العلاقات الانسانية.. الصداقات.. المحبة.. الأخوة.. باتت مفاهيم زائلة في عالم تحكمه المصالح.. التحزبات والماديات..؟

أين هم الأشخاص الذين رافقونا كظلالنا حين كنا ننعم بسطوع شمس الرخاء في حياتنا وعندما حل الظلام تواروا واختفوا.. في غياهب الجب.. وتناثروا كأشباح السراب بلا تفسيرات أو تبريرات منطقية، يقال إن المرء كثيرٌ بإخوانه.. وإن الأخوة ليست فقط أخوة الدم.. أليس «رب أخ لك لم تلده أمك»..! فأين هم منا أولئك الأخوة الصادقون الصدوقون هل أصبحنا الأخوة الأعداء..؟. هل تقلبت القلوب من المحبة للبغض والجفاء؟ ولماذا.. لنُبقي على دنيا زائلة.. أوهام انجازات.. وأحلام رعاة..؟ لماذا.. نسمح لأنفسنا أن ننزلق في براثن الجبروت والطغيان ونَئِد المحبة بأيدينا وننكل فيها بساديةٍ سوداويةٍ مميتة؟ أليس هناك ما يكفي من القسوة في هذا العالم.. وما يكفي من الشتات.. الفرقة والأحزان؟هل نسينا أم تناسينا.. ما كنا نحياه معاً في قديم الزمان.. وسالف الأيام..؟

ألم نكن لبعضنا ملاذاً آمناً.. نقوقع فيه كل مخاوفنا.. نفضي فيه بكل ما تجيش به أفئدتنا؟ ونحتضن بداخله قلوبنا وأحلامنا.. التي فيها تعاهدنا أن نشق طريقاً ممهدةً.. تعين خطانا في صعوبات المفترقات الوعرة التي تواجهنا. إذاً لماذا أصبحنا بكل هذه المزاجية الأنانية في أطر علاقات متماوجة كالمد والجزر ما بين ودٍ.. وصد.. بعدٍ ووصل.. لتتحول العلاقات المنسجمة إلى نقيضها علاقات منفرة مليئة بالحيرة والتساؤلات المقلقة «هل لي قيمة اعتبارية في هذه العلاقة وهل لي أهمية في هذه المساجلات المرهقة» التي تدعو للانسحاب وتُجبر عليه في كثير من الأحيان. هل الأفضل أن ألجأ لحلٍ أمثل وهو الإبقاء على شعرة معاوية.. التي قد لا تصلح دائماً... أم يكون الأولى منها مبدأ «اعتزل ما يؤذيك قبل أن ينهيك».. لتحقيق السلام الداخلي والصحة النفسية الذاتية بعيداً عن كل تلك المهاترات والضغوطات؟.

إن العلاقات الإنسانية -بمختلف أشكالها- تتمثل كرصيد بنكي ادخاري مشترك يحتاج طرفين قادرين على إيداع نفس الكم وليس بالضرورة النوع من المحبة.. العطاء.. الجهد.. والتضحيات لتحقيق التوازن الصحي في العلاقة وتعزيز إمكانية الاستثمار المجدي والمجزي فيها حاضراً.. ومستقبلاً.. لكن أن يكون أحد الأطراف مودع بذخ والآخر مستهلك مستنزف لكل ما في هذا الرصيد من إيداعات ومزايا ذلك حتماً سيؤدي أن تصل لحد الافلاس والاندثار.. ويُطرق ناقوس الخطر.. منذراً بموت كل ذي قيمة في علاقة كانت في بداياتها وأوجها واحة غناء نابضة منعشة لتمسي صحراء رمضاء قاحلة.. من بعدها سينتهي الأحبة.. بغضاء.. الأخوة.. أعداء.. والأصدقاء يتلاقون لقاء الغرباء.. وتبقى هي الأقدار ويبقى كل شيءٍ بقضاء. والله من وراء القصد.

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress