زمااان!!... كنت تسير في وسط البلد, وسط عمّان حيث كان ثقل المدينة, العاصمة, بل المملكة الاقتصادي. حيث كانت رؤوس الأموال تتركّز في بعض المحلات التجارية من تجار كانوا مستوردين لاحتياجات البلد (الأساسيّة), ومصدرين لخيراتها من نتاج ترابها قبل أن يصبح بلون ثلج الحجر, هياكل كأقفاص الدجاج.. حضارة من لا حضارة له.. كان عمّي وبكلّ فخر؛ المرحوم الحاج «بديع حافظ يعيش», صاحب القصر الأحمر (الصغير الكبير) في اللويبدة؛ زينة قصور المملكة أيامها وما زال.. كما تقرأ اليافطات على كلّ (طلعة) تؤدّي إلى قمة الجبل القديم العريق؛ (بيت يعيش).. مركز الحفاظ على آثار البترا.. للحفاظ عليه كما هو, كما أرادت كريمته الكبرى الحاجة (ثريا) رحمها الله بوضعه أمانة, تحت رعاية من يحمون البترا.. لا عجب؛ فهو في لون حجارتها لكن من غرب النهر.. شقيقة شرقه التوأم.
كان الحاج بديع مثالاً للرعيل الذي مضى من روّاد وقادة الاقتصاد.. زمااان. يوم كنت ترى تجسيداً للوحدة العربية في محلات عمّان وشوارعها؛ الشامي على المغربي، على المصري. كان رحمه الله يشتري, يجمع العدس من يد أخوته مزارعي الكرك إربد مأدبا وغيرها, يوم كان الخير..
(كثييير). تقف طوابير المركبات الشاحنة محملة بالعدس الكنز؛ من درعا حتى شقيقتها الرمثا بل وقبلها لتصل (بيروت) العزيزة, يا بيروت, عبر العزيزة الغالية الكبيرة (دمشق) ومنها بعد التصنيف إلى موائد الباريسيين..هناااك. الإفرنسيين كانوا يقتاتون عدسنا.. حساء (شوربة عدس.. أردني.. لا أروع). بات عدسنا نستورده من الشرق الشمال الغرب وبلاد تركب الأفيال.. كنا نستبدله بالذهب؛ بتنا نستبدل تحويشة ذهبنا بعدس الغرباء... خسارة!!. كانت التجارة الزراعة هي المحرّك الرئيس لاقتصاد المملكة.. كانت الحكومات في معظمها تنال مباركة هؤلاء الكبار قبل وبعد إقرارها. كان وسط البلد هادئا راكزا به وعليه الوقار والهيبة.
بالأمس.. نزلت إلى وسط البلد لغرض ما, بعد غياب كبير عنها وليس عن عمّان (الكبرى). أنهيت ما جئت من أجله بسرعة. لم أتحمّل البقاء أكثر, لكن غلبني الحنين، فطفقت أسير على غير هدى في الشوارع العتيقة لما بقي منها وسط البلد العتيق.. الحديث.. فالعتيق تمّ استئصال معظمه يوم تمّ سقف سيل عمّان, بالتالي نصبت الأحجار العالية على جانبيه كشهود الزور, بعد استئصال رئات ضفتي السيل من أشجار جانبية.
كانوا قد رحلوا..!!. لم أعثر على محلات الشهبندر فلان، والتاجر فلان، ولا الحاج فلان، ولا محلات أبي فلان، ولا مقهى أراجيل التمباك في شارع سينما البترا.. وغيرها.. تداخلت الأمور في بعضها تشابكت فتافيت من أشكال وألوان ليس بينها تناغم تجانس مودّة أو صلة قرابة.. خسف مهدور لوسط عمّان بل لنقُل (وجهها), الذي تعودنا عليه وسط الخفر والحياء من رفع الصوت زمان.
لم أر حمام جسر الحمام (حمّام النّصر) فقد حوّلوه لمبنى (فووت عالمعرض) كذا سينما الحمرا عليه, بسطات ونداءات أشكال ألوان.. لا نعرف لماذا لم ينتبه أولو الأمر في عماننا للحفاظ على من حمل الجسر اسمها لعشرات السنين كما هي لتراه الأجيال, وغيرها وغيرها..!! مضيت وسط الشّد والهرج والزعيق «أربع جواز جرابات بليرة وثلاثة بـ(دينار)» لم أفهم المعادلة.. «لدينا مأكولات زنجر فاهيتا برغر اسكالوب».. على جسر الحمام, رحم الله الحمّص والفلافل.. لو عاد بعض من كانوا هنا زمان إلى الحياة لفضّلوا الرحيل ثانية.. تماثيل عرض الملابس العريانة, تقف بجانب المحتشمة, هذه التماثيل (المانيكانات) تشكل خليطاً لما خلق الله من بشر, ترى الأبيض الأسود الأصفر. تماماً كما زوّارنا.. من كلّ الأمم يشاهدون يسجّلون.. بات وسط عمّان خليطاً لكل شيء ولا شيء للأسف.. بات الرصيف يعجّ بكلّ شيء بكلّ صنف, لا مكان.. للبشر للسير عليه.
لمحت بقايا محلّ أحد التجار القدامى وحيداً فريداً وسط المعمعة. لا أدري كيف نفذ بريشه؟!. كان به خلفه يقبع يغفو خلف طاولته. وقفت أتذكّر, لمحني من خلف الكمامة عزم عليّ, ولم يعرفني إلّا بعد أن ذكّرته بمن رحلوا.. قال بأسى.. «يرحم تلك الأيام يوم كنت مهندساً في أمانة عمّان, اليوم يا أخي.. البلدية حكومة, الصحّة حكومة الاقتصاد التموين رعاة البسطات كلّ حكومة في حكومة».. تركت محله بعد فنجان من قهوة ومضيت لحالي.. يا.. حالي. لمحت محل عطّار من القدماء.. كركديه, جعدة, زهورات شامية, ورق سدر, زعرور.. انتعشت قليلاً.. مضيت.
وللحديث بقيّة.. من يدري.. ربّما.. لعلّ وعسى!