وأكمل، بوجود حسرة وأسى تسكن القلوب لانحسار الدور الوطني للذين يجلسون على مقاعد الراحة بعد انتهاء دورهم في السلطة، سواء ذلك الدور بصورته النهائية أو المرحلية، فإما صمت لا يليق بمكانتهم ويعكس عدم الحرص على الوطن، أو استلال سيوف القذف لمسيرة الغير، بصورة سلبية مؤسفة تشكك بقدرات الآخرين وتنتقد خطواتهم، برسائل وعبارات أو نصائح مغلفة بثوب رقيق من الغيرة بديلا عن إسداء نصيحة خالصة تساعد بتكملة المشوار، ويمثل ذلك درجة من الأنانية تفتح المجال للحذر من دوافعها، لأنها قد تكون إحدى صور الحرص المزيفة مغلفة بجدار التمه?د للعودة لموقع المسؤولية أو الدخول بمجال التوريث السياسي بدافع غريزة الحرص على مستقبل الأبناء.
ويفسر ذلك بأنه رسالة واضحة لأصحاب الطموح من خارج هذه الفئة لتجميد طموحاتهم وتحجيمها، وهي الواقع المؤلم الذي تجسده، لتطلق عبارات التوصيف بشكلها الكوميدي أو المحزن، فترجمة ذلك بالشكل الذي يخطط له هؤلاء يؤلم وينذر بانحسار الطموح للمجتهدين أصحاب الفكر المتطور ويساهم بتوالد الحقد بأثره السلبي على تطور المجتمع وتقدمه.
فالحرمان شكل من أشكال القهر وقنبلة موقوتة لا يمكن التنبؤ بموعد انفجارها أو الآثار المدمرة التي ستسببها، وبالرجوع لأداء هؤلاء أثناء توليهم منصب المسؤولية نجد أن عطاءهم بأدنى درجاته وإنجازاتهم لم تتعدَ حدود خطابات اكتشفنا بذكائنا وحِسنا أنها مفرقعات كلامية، صفقنا لها بحسن نية أو مجاملة أو مبادرة أمل بالتغيير بالرغم من معرفتنا بقدراتهم وأسباب وأساليب القفز لتوليهم المناصب.
ولعل مراجعة أمينة لتاريخ بعض النخبة بالرغم من محدودية التمثيل، لنجد أنها صاحبة ومؤسسة ولادة فكرة وجود مدرسة التوريث السياسي والوظيفي بعد فترة حمل متعبة ومعقدة، فتقدم التسهيلات ضمن مساقات زمنية تخدم ترجمة أهدافها وأفكارها بحصرية الانتماء، وهي تطالب أو تطبق على الواقع بحصر الوظائف العليا والقيادية بفئة اجتماعية ضيقة الأنساب، وتراهم يراهنون على وهم الإنجاز بمصطلحات لم تعد تنطلي على أحد، فترانا نلاحظ الاجتهاد المفرط بوعود خلال مواسم ومناسبات الشواغر كما هو الحال عند تشكيل الحكومات أو وجود شواغر لوظيفة قيادية،?التي أصبحت اليوم في ملف الحفظ بعد سلسلة من التعيينات القيادية والتعليمية بالذات...
والمؤسف أن هذه الفئة القيادية تعتقد أنها المنقذ في كل مجال وتحصر عضويتها بأضيق صورها، تتبادل المراكز بعد الاخفاق، لأنها تؤمن أن طريق تحقيق الطموح وترجمة الأفكار تحتاج لتغليب المصالح الذاتية على المصلحة العامة برغم أن لغة الخطاب اليوم اختلفت بتفسير مفرداتها ولم تعد تغرد بسلاسة كالسابق عندما كانت تدغدغ المشاعر وتحاكي سراب الأمنيات، بل تكتفي أحيانا بممارسة شكل من أشكال الإيذاء المتمثل بتوكيل البعض لخوض حروبها في عصر منفتح متقدم نفى من قاموسه حصرية الحصول على المعلومة الصحيحة لفئة معينة، بل وأصبح مجال الاعلام?والحصول على المعلومة الدقيقة متوافرا عبر عصر التكنولوجيا بزمن قياسي وجهد ضئيل، بالرغم من القائمة الطويلة لسلبيات هذه الوسائل كمساعد أساسي باغتيال الشخصيات ونشر الإشاعات الكاذبة والمغرضة والتسارع بنقل المعلومات وتضخيم أحداثها حسب درجة الفهم والهدف لمصدرها، أو سياسات تغذي استمراريتها بتوفير غطاء يمنحها فرصة التطاول والتشكيك حتى بأولويات الوطن.
وكل تلك الممارسات تحت عنوان حرية التعبير التي انحرفت عن أبجدياتها الأخلاقية وقفزت عن حواجز الصدق والالتزام البناء، بتسابق محموم بعيد عن المهنية على مستوى الفرد صاحب الحساب أو أصحاب بعض المواقع الالكترونية التي ارتضى نفر من مالكيها ممارسة أشكال الابتعاد عن الحقيقة وتلفيق التهم بهدف الابتزاز المادي أو تحقيق سبق إعلامي مجرد من أدبيات المهنة.
اتساع فجوة الثقة بين المواطن والحكومة والنواب، عنوان حقيقي مؤلم على أرض الواقع، يحتاج منا التعامل مع معطياته بوطنية وحرفية، لأن الحرص يحتاج منا وقفة مصارحة حقيقية مع الذات، نتقبل ونعترف بصدر رحب بوجود مشكلة للبحث عن أسبابها، ووضع الحلول المناسبة بما يتوافر لدينا.
ونحن بأمس الحاجة لتغيير نمط التبرير المعهود، لاعتراف بالتقصير يقودنا لحلول ناجعة، فالعهود السابقة قد تغيرت، والدراية لنا بباطن الواقع حقيقة نسير على هديها، لأن الإصغاء لخطاب المسؤول قد أصبح ترفا محصوراً بالوقت الضائع، والخطابات النارية بالمناسبات، لم تعد تستحق الاستماع إليها أو مناقشتها، لأننا ننزف بالطموحات والآمال، بالقدر الذي شكل تهديدا مباشرا لصحتنا وديمومتنا، فالأعور بين العميان باش كاتب، وللحديث بقية.