كتاب

ما بين المحظور.. وأدوار البطولة

تتسارع سهولة استخدام تطبيقات التقنيات المتقدمة التي تجتاح المجتمعات في العالم وإن كانت أفكارا متخيلة لدى الكثيرين، ويتسع انتشار وتداول تلك التطبيقات في مختلف نواحي الحياة، حيث تتسم برمجتها بسهولة استخدامها من قبل الفئات المحترفة إلى جانب عامة الناس.

وباتت تلك التطبيقات تشكل تحديا أمام المؤسسات الرسمية والشعبية المختلفة وتنذر بالقلق الشديد وبخاصة تلك التي تواجهها المؤسسات المعنية بأمن المجتمع وسلامة أفراده.

أصبح لزاما على الجهات الرسمية العمل باحترافية عالية لمنع مختلف أشكال التزوير، ووقف التحايل الرقمي والافتراضي الذي لا يفرق بكفاءة استخدام البرمجيات الذكية من التفريق بين لص حقيقي، وشريف مفترض، ولا يميز بسهولة بين مثقف عالم، وأمي لا يجيد القراءة.

إذ يسقط نتيجة عمليات الدبلجة الرقمية، والتزييف الاحترافي الكثيرون. فما هي أهم تلك التطبيقات؟ وما هو مجال استخدامها؟ وكيف يمكن ضبط التلاعب بها مجتمعيا ورسميا وقانونيا؟

من التقنيات التي تهدد أمن المجتمع وسمعة أفراده؛ تقنية التزييف العميق «Deep fake»، وهي تقنية تقوم بفعلِ تزييفٍ بالغ الدقة تظهر أي شخص على أنه يقوم بأشياء ربما تكون ضارة من غير علمه؛ فقد يجد نفسه يرتكب جريمة موثقة بصورة، أو أن يكون بطلا لمشاهد أفلام لم يسبق له بيوم من الأيام أن عرف موقع ستوديو تصوير! علما بأنه قد انطلت علينا مشاهد وأفلام وثائقية لملكات ترقص، وحضارات تُقتحم أسوارها، وقصص تاريخ مزيفة أوراقه طرحت في المنتديات العلمية وترسخ محتواها المزور بأذهان الكثيرين. وكم تابعنا بشغف ممثلين يؤدون حركات لم يم?رسوها من قبل! إن ما سيدهشك أنك لن تكون أنت الفاعل الحقيقي بل ستكون الشخص المزيف الذي لا يمكن الشك فيك.

تعتمد تقنية التزييف العميق على استخدام خريطة الوجه لشخصية معينة واستخدام الصور التي تظهر التعابير المختلفة للوجه ومقاطع الفيديو والتسجيل الصوتي للشخصية المستهدفة بحيث تدمج بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي والحواسيب ذات المواصفات العالية البرمجة التي توظف من خلالها المعادلات الخوارزمية لإنتاج مقاطع فيديو جديدة تبدو حقيقية.

في المقابل ستمنح تقنية «الحنين العميق» بواسطة الذكاء الاصطناعي الصور القديمة حركة حقيقية وفاعلية تسمح للمستخدمين تحويل صور الأشخاص الثابتة، وبخاصة المتوفون منهم، إلى مقاطع فيديو قصيرة تظهر الشخص بالصورة وهو يبتسم ويغمز ويومئ برأسه بالتالي استحضار من فقدانهم بالماضي القديم وهم يعاودون التحاور معنا، ومشاهد مدبلجة لمشاهير فارقوا الحياة من عشرات السنين وعادوا يطربون في حفلات لم يحيوها.

كذلك تمكننا هذه التقنية من تحويل الصور غير الملونة إلى صور بألوانها الأصلية. حتما سنسعد عندما نصافح بشكل واقعي أحبة لنا متخطين الحواجز فيما بيننا، وسنشعر بدفء يد فارقتنا وهي تُملِس على وجهنا من جديد. كل ذلك يثير عواطف الأفراد لحظياً، لكن مع ذلك لا بد من التنبه والاستعداد الرسمي والمجتمعي لمخاطر ماثلة أمامنا عند استخدام تلك التطبيقات منها:

تزييف وقائع المجتمع وأحداث التاريخ بالصوت والصورة والحركات الفعلية.

استهداف الأشخاص لغايات مختلفة، منها الابتزاز وتشويه الصورة المجتمعية، إلخ. عبر إنشاء مقاطع فيديو مفبركة لهم بمواقف مختلفة.

تعميق «الميكافيلية النفعية» بهدف الشهرة والوصول لمناصب رسمية وشعبية.

التحديات المؤسسية الرسمية من خلال صعوبة التفريق فيما إذا كان هذا صاحب الفعل الحقيقي أم المزيف؟

التحدي القضائي والأمني وعرقلة مسارات القضايا القانونية وصعوبة ضبط الحدود والمعابر والمنافذ بين الدول.

انخداع الأشخاص العاديين وعامة أفراد المجتمع بسهولة، وزيادة حدة الإشاعات وتأثيرها المجتمعي.

الاتجاه التعليمي والتعلم الأخلاقي القائم على الحقائق العلمية وليس تأجيل المعرفة لأعمار متقدمة.

وللحد من آفة انتشار تلك التطبيقات والاستخدام الضار لها، فلا بد من التصدي الواعي على المستوى المجتمعي، والاستعداد المؤسسي الممتهن لمواجهة أي فعل يضر بأمن المجتمع وأفراده، منها:

إنشاء مجالس تقنية مشتركة في الجهات الرسمية تعمل على توقع تلك التحديات ومستوى تأثيرها على تقديم الخدمات للعامة، وإيجاد الحلول لما تواجهه كل مؤسسة حسب النشاط الذي تؤديه.

تخصيص برامج التوعية المجتمعية المنتظمة لرفع مستوى الثقافة المجتمعية بأنواع التطبيقات للحد من الاستخدامات الخاطئة لها.

مراجعة وتحديث التشريعات الناظمة لاستخدام التطبيقات وفرض الغرامات بموجب القوانين الرسمية بحق الأشخاص الذين تثبت عملية تورطهم بتلك الممارسات.

الاتجاه نحو التعليم التقني والبرمجة الالكترونية والرقمية في مراحل الدراسة المبكرة.

تشديد الرقابة على الأوراق المحمية والحد من عمليات الاختراق «التهكير» أيا كان مصدره.

تطوير الأبحاث والدراسات المتعلقة بإنتاج وزراعة الشرائح الإلكترونية الذكية مستقبلا لتحديد البصمة الشخصية للأفراد قد يحد من تلك السلبيات-هذا ليس من باب التسويق- بل من باب التنبه لما هو قادم، وقد يمكن المؤسسات المختلفة من الرصد المبكر والعلاج الفاعل لكل المحاولات التي قد تضر بسمعة الأفراد أو المؤسسات المختلفة.