الوطن هو الحصن الحصين، الحضن المكين.. أنت بلا وطن.. لا شيء, لا في العير ولا في النّفير... بلا قيمة؛ صفر على الشّمال، كبيراً كنت أم صغيراً.. عالة على الأرقام والدّنيا.
الوطن أيّها السّيد (سينيور سينيوريتا، سير، مدام...) يحفظ كرامتك.. يصونك.. يحميك.. في جواز سفر عشر نجوم تحمله، على غلافه تلمع؛ (المملكة الأردنية الهاشمية).. له الأولوية ويُضرب له تعظيم سلام.
تخرج وكلّك عزة من بلدك, تشهر ترفع جواز سفرك على حدود بلدان وأمصار الدُنى, يطأطىء مُستقبِلُك رأسه احتراماً لجواز سفرك وعليه شعار الوطن.. وطنك.. أنت على الرّحب والسّعة. تنزل في فنادقها تجول في أسواقها, تشتري تسوح، وقد تعقد صفقات كبرى تجمع منها ملايين من ورق أخضر تسدّ عين الشّمس..
تقتني مركبة تقودها.. أنت في بلاد الفرنجة في الشرق في أفريقيا، أو في الغرب الأميركي حيث «الكاوبوي» يلجمك، قد تقود أو لا تقود.. أنت تحمل رخصة سواقة دولية منحك إياها وطنك حباً وكرامة.. (تلتزم) هناك تماماً بإشارات المرور, تنحني لتعليمات رجاله، لقوانين السير التي تعرفها جيداً يوم تقدّمت لفحص السواقة في بلدك، نجحت (أم....) فمنحوك رخصة وبعدها عفت عليها الذّاكرة وحسن الختام. تحترم قوانينهم خوفاً من عقاب، فالعقاب يخوّف!.. تقطع الشارع من مكان المشاة, لا «تبصق» لا ترمي قمامتك أينما وكيفما شئت، من باب (البلد التي لا يعرفك أحد فيها... إفعل العجايب فيها).. لا تزاحم لا تشتم لا تتنمرد لا تتمرّد!!.. فهناك يبترون من يتمرّد على قانونٍ أو وطن.. يحترمون قوانينهم، شرائعهم وحريّة التعبير المسؤولة بلا تشنّج بلا احتماء بعائلة بجهة بفئة بعشيرة بقبيلة.
قد تقف في مركبتك على إشارة ضوئية وبجانبك يقف على دراجة هوائية (بسكليت) مدير شركة عملاقة متّجهاً إلى عمله بلا دوشة بلا ضجّة بلا هيلمان, أو تقف في دور في مطعم ويكون خلفك مسؤول رفيع, مواطن مثله كمثلهم.. يحاسبونه أو يصفّقون له.. يروّحونه.. هناك تضع الكمامة وتتباعد لزوم «سنيور كوفيد»، هناك؛ من لا يضعها ولا يلتزم بالتباعد؛ يبعدونه خلف حديد، يغرّمونه غرامة ثقيلة.. لن يعيد.. الكل ملتزم.
تعود.. تستأسد ساعة دخولك المجال الجوي للوطن.. تخلع كمّامة الكوفيد، تلتصق بالواقفين الملتصقين على الطائرة قبل مغادرة أجواء البلاد بمراحل. تخلع قناع وثوب الحملان, تعود وحشاً أنت.. تعلّق التّكشيرة أيّاها, أسد عليّ وهناك حيث كنت.. (أبو الالتزام).. تتأفّف من الطابور من الدور فأنت مميّز ابن فلان وعلّان.. الطابور للعامة وليس لأمثالك من الأكابر..
لا تحترم إشارة ضوئية.. لا يهمّك رجل مرور.. فأنت منزّه... واصل حاصل! لا تحترم المشاة الحفاة, هم أعداد زائدة تضايقك، لا ترى لزوماً لها. تطير بسرعة الصاروخ, تتجاوز الآخرين بدون حقّ، تشتم هذا وتحتقر ذاك، فأنت شخصية مهمّة جدا ابن.. بارم ذيله, تنحني لك الشّواخص والشّخوص والطوابير حتى الذّئاب والأفاعي وأبناء آوى وغير آوى والضّباع.
تتضايق من لحم.. خاروف كامل ازدردته مع الرأس, وأنت.. تقود، أو تجلس بجانب من يقود. تتجشّأ، يتصاعد ما في جوفك, تقذف به من النافذة.. نافذة الوطن على وجه أرض الوطن أينما كان كيفما كان.. تكبّ أذاك على الدّنيا.. تصل عملك في شركة في متجر مصنع غرزة... تتجبّر في عباد الله.. تُفَشّق الأقارب والعقارب والمحاسيب، تلهط من لحم الوطن من اقتصاده لا يهم حلالاً كان أم حراماً! لا تتحمّل طنين نحلة ولا وقفة يعسوب ولا رفيف أجنحة فراشة, لا تترك قانوناً عرفاً عادة إلّا تدوس عليه.
يا خوي ويا خيتي: من أجل أن يدوم وطنك يُحترم, ساهم في حمايته رفعته في احترام جواز سفره، فبدونه أنت نكرة، لا شيء.. حمى الله الوطن.. وطننا، فيك أو بلاك.. وكفانا الله شرّ.. بلاك.