هجرة العقول في مجتمعنا، مثلما هي في غيره، من المشكلات التي تحتل مركز الصدارة، مع أننا لا نفيها حقها، ونكتفي بالحديث عنها دون خطوات عملية تُمكّننا من التعامل معها بكفاءة، فتتراكم وتتفاقم وتُرحّل.
عدة أمور لا بد من التأكيد عليها:
أولاً، في عالم كادت تذوب فيه الحدود بسبب وفرة وسائل النقل والتواصل ومعقولية كُلَفِها وبسبب العولمة واعتماد العديد من الدول على الموارد البشرية من خارج حدودها، أصبح التنقل بين الدول سهلاً، وأضحى الأفراد يسعون لفرص العمل الأفضل خارج مجتمعاتهم ودولهم ويَجدونها.
ومن هنا فالحيلولة دون حدوث هجرة العقول أمر شبه مستحيل، لا بل أصبح واقعاً وطبيعياً.
ثانياً، لا شك أن خروج العقول من مجتمعاتها، لفترات مؤقتة أو دائمة، يُحدِث إرباكاً وضرراً، وإن كان حجم الإرباك والضرر يختلف من حالة إلى أخرى ومن سياق إلى آخر. من حيث المبدأ إذاً هجرة العقول تضرّ بمجتمعاتها لأنها تَفقد العديد من الموارد البشرية المميزة والكفؤة، حيث يجد أصحاب هذه الكفاءات فرصاً مادية ومعنوية أفضل من تلك التي يُخلونها، فتخسرهم مؤسساتهم.
ثالثاً، نستدرك فنقول إن هذه الخسارة ليست بالمطلق، لأن من يغتنمون الفرص ويهاجرون لا تنقطع صلاتهم بدولهم، والعديد منهم، كما هي الحال عندنا، يذهبون بهدف تحسين أوضاعهم وأوضاع عوائلهم المادية، فيحوّلون لذويهم العملة الصعبة التي تُصرف في بناء البيوت وشراء السيارات والأراضي والمحال التجارية وغيرها. وعندما يأتون للزيارة في العُطل ينفقون الأموال. وهذا كله يؤثر على البنية الاجتماعية والاقتصادية تأثيراً إيجابياً.
من هذا المنطلق فإن ما نعدّه، من زاوية، خسارة، يُعدّ ربحاً إذا ما نظرنا إليه من زاوية أخرى. وفي حالة أولئك الذين يعودون لمجتمعهم في نهاية المطاف، تكون عودتهم مكسباً قد يُعوِّض الخسارة الناجمة عن هجرتهم في بادئ الأمر. ويعود الكثير منهم بخبرات جديدة يوظفونها خدمة لمجتمعهم.
مسائل الربح والخسارة إذاً أعقد مما نظن للوهلة الأولى.
لكن هنالك بُعداً مهماً، في سياق المسألة برمتها، نود التأكيد عليه هنا.
ويتصل هذا البعد بضرورة الإعداد المسبق في المؤسسات المعنية وفي مجتمعنا عموماً، من قبل المخططين وأصحاب القرار، للتخفيف من أثر هجرة العقول السلبي على المؤسسة المعنية من جانب، وتعظيم الإفادة من هجرة العقول من جانب آخر.
ونعني بذلك ضرورة تهيئة الكوادر في الصفوف الثانية والثالثة والرابعة، وهكذا دواليك، لتحل محل الكوادر المُهاجرة من أجل سدّ الفراغ.
وهذا أمر حاسم بالنسبة للمؤسسة، وبالذات في مجتمعنا والذي لا يُعدّ الكوادر الرديفة عادة.
ويجب أن يكون هذا الأمر واضحاً ومنصوصاً عليه ومأخوذاً بعين الاعتبار في السياسات العامة للدولة وفي استراتيجيات مؤسساتها وتشريعاتها وخططها التنفيذية.
بِيَدنا فعل الكثير لتحويل هجرة الأدمغة من مخسر إلى مكسب، وبالذات في وقت أخذت فيه عدة دول تستثمر من خلال تصدير موارد بشرية على درجة عالية من الكفاءة في القطاعات المختلفة من أجل توفير فرص عمل مجزية لمواطنيها في الخارج، فتحصل هي ويحصل مواطنوها على الفوائد الجمّة المصاحبة لذلك.