عليك بالصدق ولو أنه ** أحرقك الصدقُ بنار الوعيد
عدنان أبو عودة واحد من ألمع السياسيين والدبلوماسيين الاردنيين واكثرهم حنكة، قريباً جداً كان من المغفور له جلالة الملك الراحل الحسين بن طلال –طيب الله ثراه- شغل مناصب عدة في الحكومات الاردنية، عمل وزيراً للثقافة والاعلام والسياحة والآثار والبلاط على فترات بين عامي 1970 و1988، كما عين في مجلس الاعيان بين عامي 1988 و1991 ورئيساً للديوان الملكي بين عامي 1991 و1992، ومندوباً دائماً للأردن لدى الامم المتحدة بين عامي 1992 و1995، وأخيراً عمل مستشاراً سياسياً للملك عبدالله الثاني بين عامي 1999 و2000. صاحب حنكة سياسية كان متميزاً عن الآخرين.
من هنا فإن كتابة «يوميات عدنان أبو عودة» الصادر عام 2017 عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات يستحق ان يُقرأ بعمق فهو عبارة عن سفر جامع لملاحظات وأفكار رجل عايش تحولات واحداثاً مر بها الاردن. منها ما يتعلق بقضايا شائكة كالقضية الفلسطينية وموقف الاردن منها. ومنها ما يتعلق بالقضايا العربية الأخرى.
وقل ان اتطرق لبعض ما ورد في هذه اليوميات التي تميزت بالشفافية اعترف انني في هذا المقال لن ألم بتفاصيل الوقائع كلها التي وردت في الكتاب، فهذا ما لا أدعيّه.
يبدأ الكتاب بحوار معمق أجراه مع صاحبيه السيدين معين الطاهر ومعن البياري، وفيه اضاءة على نشأة عدنان ابو عودة وطفولته، وهي نشأة متواضعة لم تعرف الترف والنعيم، فوالده -كما يقول- كان عاملاً في صناعة الصابون بمدينة نابلس المحتلة مسقط الرأس.
بدأ حياته المهنية معلماً في الأردن ومن ثم الكويت ليعود بعدها ويستقر في عمان. تفتحت مواهبه وقدراته منذ الصغر، وهو بعد على مقاعد الدراسة.
بدأ أبو عودة يفكر بالعمل الحزبي مبكراً، دخل حزب التحرير، وبعد خمسة أعوام تركه لينضم إلى الحزب الشيوعي. واستمر في هذا الحزب حتى عام 1958. وقبل عمله السياسي والدبلوماسي عمل نقيباً في المخابرات العامة فقد ربطته صداقة دراسة مع المرحوم محمد رسول الكيلاني الذي كان آنذاك مدير مخابرات وقد تدرج في الوظيفة حين بات يعمل محللاً لمادة المخابرات التي ترد الى الدائرة ويعد التقارير الخاصة بها والتي كانت تُرفع الى الملك الذي سرعان ما أعجب بمواهبه فقربه.
في الحوار الذي أُجري معه يعترف «أبو السعيد» أنه كان ضد قرار مؤتمر القمة العربية في الرباط في عام 1974 والذي فك الارتباط الفلسطيني مع الأردن. وفي رأيه ان فك الارتباط هذا والذي جعل منظمة التحرير الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني «جعل كسنجر وزير خارجية أميركا آنذاك يحول قضية الضفة الغربية من أرض محتلة كما نص على ذلك قرار مجلس الأمن 242 الذي نشتغل على اساسه من اجل السلام الى ارض متنازع عليها تطالب فيها منظمة التحرير». (المرجع السابق ص 46).
وهي حجة تتمسك بها إسرائيل إلى اليوم.. وهنا أشير إلى جرأة «ابو السعيد» حين قال لكسنجر ذات مرة.. «إننا ومثقفين وسياسيين كثيرين في الشرق الأوسط نعتقد انك انت الذي اوحيت بهذا القرار». (المرجع السابق ص 49).
جرأة تلقانا في مواقف كثيرة كانت محل ترحيب من جلالة الحسين- طيب الله ثراه-.
بعد مؤتمر الرباط الذي وافقت فيه الدول العربية على اعتبار المنظمة الممثل الشرعي الوحيد للفلسطينيين ساد لغط كثير حول مصير الفلسطينيين في الجيش والحكومة الاردنية. وقد حدث أن سأل أحد الضباط جلالة الملك الحسين قائلاً: ما مصير الفلسطينيين في الجيش والحكومة. فرد الملك: «انهم مواطنون وهذا سؤال لا يُسأل». (المرجع السابق ص 239).
جواب مفحم يدل على وطنية الراحل الهاشمي الكبير الذي كان يعتبر الفلسطينيين والأردنيين في الأردن بعد وحدة الضفتين كشقي المقص لا ينفصلان.
في يومياته وصف دقيق لنفسية الزعماء والقادة والسياسين العرب، وصف مازال ينطبق على حالهم حتى اليوم. إن العرب لا يتفقون على رأي سياسي موحد ذي صفة قومية اذا كانوا على خلاف فيما بينهم، لأن الواحد منهم يُزايد على الآخر، ويشرع في توجيه الاتهامات اليه» (المرجع السابق ص 333).
أتساءل: اليست هذه هي حالهم اليوم، «الواحد منهم يزايد على الآخر».
وفي تعليقه على ما يتردد عربياً من أن الزمن يلعب لمصلحتهم، يتساءل «ابو السعيد» كيف؟ اشك في ذلك. ومع انه يعترف بان العرب يمتلكون عناصر قوة ثلاثة هي: النفط والعمق الجغرافي الاستراتيجي والقوى البشرية، إلاّ انه يستطرد قائلاً: «هذه العناصر ما تزال مفككة» لم يتم تعبئتها من أجل خوض معركة التحرر القومي. (ص 339).
وفي تعليقه على قرار المؤتمر الاسلامي بشأن طرد اسرائيل من الأمم المتحدة، استخف عدنان ابو عودة به واصفاً القرار «بأنه كان احمق من وجهة نظر سياسية، لأن ذلك لا يجدي مادامت عناصر القوة العربية غير مُفعلة».
وفي رأيه أن تفعيل عناصر القوة العربية السابقة الذكر هي القادرة أن تؤثر على الوسيط الأميركي ليغير موقفه وهو «الذي يمكن أن يؤدي إلى شيء سياسياً» هذا التفعيل بات وراء الظهر! (ص 340).
وبعد، أن ما ورد في يوميات عدنان أبو عودة يُغطي عقوداً من عمله الدبلوماسي والسياسي.. ذكاؤه اللماح جعله قريباً جداً من الراحل الكبير الحسين بن طلال – رحمه الله -، فكثيراً ما كان يأخذ برأيه في أمور تتعلق بالقضايا القومية.
ومع ذلك لم يسلم من بعض الحملات التي شُنت عليه متجنية على وطنيته التي لم تساوم يوماً على قضيته الأولى «القضية الفلسطينية»..
عدنان أبو عودة.. وداعاً كفيت ووفيت