كتاب

الأراضي الرطبة.. بين الأهمية العالمية والقوة الشعبية

يحتفل العالم يوم (2) شباط باليوم العالمي للأراضي الرطبة، هذه المساحات من الأراضي التي حدد لها يوم خاص واتفاقية أممية لحفظها تسمى اتفاقية رامسار هي معاهدة دولية للحفاظ والاستخدام المستدام للمناطق الرطبة 1971، حيث فقد العالم أكثر من ثلث هذه المساحات لتفقد منطقتنا أكثر من النصف خلال ما يقارب النصف قرن الماضي، ويعتبر نظامها عملية ربط بين الأرض والمياه، وهو من أكثر النظم الحيوية إنتاجية، وهذا النوع من الأراضي حليف مهم في حماية الكرة الأرضية من تغيرات المناخ والأخطار المحيطة بها..

وتعتبر المستنقعات والأحواض الرطبة من أكثر الأماكن «بلعاً» لثاني أكسيد الكربون (احد اعتى مسببات الخلل في التوازن البيئي وتغيرات المناخ)، لتقرير التوقعات العالمية للأراضي الرطبة، الذي نشرته اتفاقية رامسار، يُقدَّر أن أراضي الخث (وهي احد أنواع الأراضي الرطبة) تخزن 30٪ من الكربون في الأرض، وهو ضعف ما تُخزنه كل غابات العالم مجتمعة، وبالتالي فإن العبث بها وتدميرها على حساب الزراعة، التعدين، استنزاف المياه سيؤدي إلى تحرير الكربون في الجو ما يؤدي بالتالي الى الإخفاق في الهدف العالمي وهو عدم تجاوز درجة حرارة الأرض عتبة الـ 1.5 مئوية عن معدلاتها منذ عصر الصناعة.

أما الناحية الأخرى التي تعد من أهم خدمات نظام الأراضي الرطبة البيئي فهي: ترشيح المياه الجوفية وتنقيتها واعادة شحن الخزانات الجوفية بمياه الأمطار، كما أنها موئل للعديد من الحيوانات والنباتات التي تتمركز فيها بسبب توافر المياه طوال العام، كما انها محطة هامة للطيور المهاجرة شمالا وجنوبا في رحلة مسارها الرئيس، وهنالك في الأردن موقعان مهمان يضمان الأراضي الرطبة، الأول وهو منطقة الأزرق التاريخية والتي تعاني اليوم من مشاكل متجذرة بدأت منذ تسعينيات القرن الماضي عندما بدأت الجهات المعنية بضخ مياهها إلى المدن الكبرى (الزرقاء وعمان)، وما تبع ذلك من مواسم جفاف أدت إلى تعميق المشكلة وجفاف المنطقة بشكل كبير، رغم أن الأردن وقع على اتفاقية رامسار منذ 1977 ليكون أول دولة عربية توقع على هذه المعاهدة، ولكن ذلك لم يحمِ الأزرق من الاستنزاف، وتقام اليوم العديد من المبادرات من أجل إعادة احياء الأراضي الرطبة في الأزرق واستعادة النظم البيئية ولكن الأردن كما يعلم الجميع يعاني من إشكاليات مائية أعمق وأكبر من ترف ضخ المياه من أجل استعادة النظم الحيوية، ويبقى أن نأمل أن يكون هنالك مواسم مطرية ممتازة وعلى عدة سنوات متلاحقة مع اعلان المنطقة على أوسع نطاق منطقة منكوبة بيئياً تحتاج إلى تأهيل، كما وانطلاقاً من أهمية المنطقة على صعيد تخفيف الانبعثات والتصدي لتغير المناخ، يجب أن تولي وزارة البيئة المنطقة مزيداً من الاهتمام، وأن يكون هنالك تعاون دولي مع «الصناديق المناخية» بهدف تأهيلها واستعادة حيويتها.

أما المنطقة الثانية في الأردن والتي تعتبر مهمة ليس على المستوى المحلي بل والدولي ذلك أنها اخفض بقعة رطبة بالعالم وهي منطقة غور فيفا، والتي تحوي محمية طبيعية على امتداد 23 كم مربعاً، وفيها تنوع حيوي فريد، كآخر غابات شجر الاراك شمالاً، كما أن هنالك أنواعاً من الطيور والأسماك المهددة بالانقراض، وقد تعرضت المحمية في عام 2020 إلى تجريف مساحة 1600 دنم وتم اقتلاع أكثر من 40 الف شجرة وشجيرة، أثار الموضوع جدلاً واسعاً، ما أدى إلى وجود حملة شعبية ضخمة (وهنا تبرز أهمية الوعي العام، والقوة المجتمعية) تحالفت هذه الحملة مع النشطاء والجمعيات من أجل التصدي لأي اعتداء، وقد تعهد وزير البيئة في حينه أنه لا يمكن أن يكون هنالك اعتداء مشابه في المستقبل، وأعلنت المحمية عن خطط تأهيل وبعد 8 اشهر تم الإعلان عن ان المحمية بدأت بالتعافي وأن الوضع مطمئن.

هذا يقودنا للقول: إن الاتفاقيات الدولية والقوانين المحلية والتي نحتفي بها بالعادة ونتوجها على أنها خطوة في المسار الصحيح، وأنها ستكون الدرع والحماية، قد لا تكون كذلك في بعض الأحيان، فقوة رأس المال وقوة الاستثمار تجعلان عادة من مهمة النشطاء البيئيين وخاصة في ظل الظروف المعيشية الصعبة مهمة مستحيلة، لتبقى الإرادة السياسية الموجهة بالقوة والمساءلة الشعبية هي أنجع الطرق لحماية الطبيعة، ليس في بلادنا فحسب بل بالعالم أجمع فيجب على الجميع الإحساس بالمسؤولية بما في ذلك المجتمعات المحلية في المناطق الهامة بيئياً، مع ضمان حيازتهم واستفادتهم القصوى من هذه الأراضي والنظم، وذلك بتوازن مع الحفاظ عليها، وهذا ما كان يفعله أجدادنا قبل سعار الاستثمار وجري المسؤولين لتلبية متطلبات السوق فحسب.