لا يمكن للحزب السياسي أن يبنى على شخص قائده، أو حتى مجموع شخوص مؤسسيه، اذ انه في أحسن الأحوال سينتهي تأثير هذا الحزب بموت هؤلاء الشخوص أو ابتعادهم عن ساحة العمل والتأثير.
كما لا يمكن أن يقوم الحزب على مجموعة من الأفكار غير المترابطة، أو القواسم المشتركة غير المرتبة في إطار فكري جامع لمجموعة من الناس، فهذه التقاطعات تصلح لقيام ناد اجتماعي أو ثقافي تتجانس أذواق منتسبيه الفنية والفكرية، لكنه لا يصلح لتشكيل تنظير ومراجع فكرية تصدر عنها آليات وروافع لمواجهة التحديات وتقديم الحلول للملفات الساخنة.
ومن بديه القول كذلك أن بناء الأحزاب لا يتم بتشكيل لجانها المركزية والتأسيسية فقط على أهميتها، فكذلك قواعدها مهمة جدًا، فالقواعد المؤمنة بفكر وتنظير ووجهة نظر الحزب حول القضايا الأساسية والتحديات المركزية هي خزان الحزب الاستراتيجي الذي يضمن استمراريته وجسده الذي يتحرك من خلاله وينفذ برامجه ويوصل صوته لبقية المجتمع.
تحتاج الأحزاب كذلك الى حواضن اجتماعية، تقدم لها هذه الأحزاب الحلول للمشكلات التي تعاني منها بلغة وأدوات هذه الحواضن وبما يتناسب مع موروثها وثقافتها، ناهيك طبعا عن حاجة الأحزاب الضرورية لامتلاك الرؤى والروافع والخطط الواضحة والقابلة للتطبيق لمواجهة الملفات الملحة كالبطالة والفقر وغيرها من التحديات التي يعاني منها المواطن.
الأحزاب لا تبنى على أساس عشائري أو تحالفات للمصالح، وكذلك فهي لا تبنى من أعلى الى أسفل، ولا تحتاج دعمًا حكوميا أو قوانين انتخاب مفصلة على قياسها، لكنها تحتاج فقط الى امتلاك الحلول العملية والتنظير الفكري الذي تجذب به الشارع، وتحسن عمليا من حياتهم وتعبر عن صوتهم وقناعاتهم، أما غير هذا فهي تفاصيل تأتي في وقتها وعلى حسب ظروفها.
يرتبط الإصلاح السياسي بالحكومات الحزبية والبرلمانية في بلادنا، وهذا حسن في مجمله لكن الاشكال يقع في تفاصيله، فخلق الأحزاب ليس مهمة سهلة، فهي مرتبطة ببيئتها وحواضنها التي يجب أن تؤمن بالتجربة بداية، ثم أن تتوفر الأدوات اللازمة لإنجاحها، من نقاشات مفتوحة وعصف ذهني واستقطاب إيجابي لأصحاب الخبرات والكفاءات، وإعادة زرع الثقة بين النخب والشارع الأردني، وهذا يتماشى مع ضرورة الإصلاح التعليمي الذي يوفر الأرضية اللازمة للتقدم في كل المجالات الأخرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
عملية الإصلاح طويلة ومتشابكة ومعقدة، لكن يجب أن تبدأ فورًا وبطريقة صحيحة حتى تؤتي ثمارها، فأهلنا وبلادنا يستحقون الحصول على أمل بغد أفضل قريب.