كيف وصلت نسب البطالة لتعطل نصف الشباب الأردني تقريباً؟ هذا سؤال خطير يحتاج لإجابات أكثر اقناعا من ثقافة العيب وسياسات التشغيل والريادة وترهل القطاع العام.
حال مسألة البطالة كحال أي تغير اجتماعي يحتاج لوقت طويل حتى تظهر نتائجه بشكل ملموس، اذ تتقاطع فيه التغيرات الاقتصادية مع السياسية والاجتماعية، لتختمر هذه المتغيرات بشكل بطيء وتتحول الى واقع يصعب علينا تغييره أو تشخيص أسبابه المباشرة والتفريق فيه بين المرض وأعراضه.
قد يكون تحدي البطالة الأردني بدأ في ستينيات القرن الماضي، مع بداية تشكل القطاع العام الأردني، الذي استقطب متعلمي المجتمع بدايةً، وحدد بشكل طبيعي شروط الانتقال من الأرياف للمدن بكل ما تعنيه هذا الهجرة من فروق حياتية وخدمية بالحصول على تعليم جيد.
ارتبط الحصول على الشهادة الجامعية في مخيلة الأردنيين بالحصول على حياة كريمة، ومع خطط الستينيات والسبعينيات بالانتقال من الاقتصاد الزراعي الى الصناعي حدثت هجرة كبيرة من الأرياف للمدن، هذه الهجرة التي تتضح نتائجها بالتوزيع الجغرافي للسكان في المملكة، اذ يقطن حوالي ثلثي الأردنيين في عمان واربد والزرقاء فقط، مقابل قرى كاملة فقدت جميع سكانها تقريبا -المقارعية في الشوبك كمثال- وهذا جعل تكدس الخدمات في هذه المدن وغيابها عن غيرها يدور في دوائر السبب والنتيجة المغلقة.
مع بداية الالفية الثالثة وانقضاء طفرة الرخاء في الثمانينات وما أنتجته من طبقة وسطى تمكنت من الاستمرار خلال التسعينيات، كنا أمام قطاع عام فقد القدرة على التشغيل وشهادات جامعية لم تعد الضمانة للحصول على وظيفة -اذ أن أكبر نسب البطالة هي بين حديثي التخرج- وقطاع زراعي مهمش وآخر صناعي متواضع، إضافة لنظام تعليمي لم يتماش مع متطلبات العصر الجديد مما قلل جودة منتجاته وأفقدها القدرة على المنافسة في السوق الإقليمي والعالمي.
ما سبق هو تشخيص بسيط لأسباب فخ ارتفاع نسب البطالة التي وقعنا فيه، وتبعاً لهذا التشخيص فالحل لا يكمن في تشجيع الريادة الفردية، أو التخلص من ثقافة العيب، وغيرها من الوصفات المعلبة التي لا تعالج الأسباب المباشرة، لكنها على أحسن تقدير تلطف من أثر الحمى فقط.
الحل يبدأ بإعادة هندسة المجتمع بعكس الأسباب التي أوصلتنا الى هنا، وعليه لابد من تنمية القطاع الزراعي وتشجيع الهجرة العكسية للأرياف، كما يتوجب احداث متطلبات وشروط للتشغيل تتجاوز الشهادة الجامعية، كالحصول على خبرة عملية تمنحها مؤسسات وطنية كالجيش وأجهزة القطاع العام، فخريج هندسة الميكانيك يحفظ أو يفهم النظريات العلمية المرتبطة بمجاله، لكن الفرد الذي خدم في سلاح الصيانة يمتلك الخبرة والمهارات الضرورية لزامًا وكذلك الحال في كافة المجالات.
ربط التشغيل بالمهارات والتدريب قد يغير شكل نظامنا التعليمي ومنتجاته ويمنح السوق فرصة لاستعادة توازنه، كما يمنح بلادنا الكتلة الحرجة المدربة الضرورية للنهضة والتنمية، كما سيمكننا من إعادة هندسة المجتمع كما حصل في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي.
ملف البطالة الساخن يشكل تحديًا خطيرًا لذلك يحب أن يفكك بأسرع وقت فهو خسارة واهدار للفرص الثمينة على صعيد الفرد والدولة.