محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

النسوية وشرنقة الجندر

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
د.نادية هناوي - (ناقدة وأكاديمية عراقية)

أخطر ما يواجه النسوية اليوم هو تضييق مفاهيمها ووصفها بأوصاف تجعل منها شيئا غير صميم ومتذبذب، يظهر فجأة ليختفي فجأة. ومن صور تضييق المفاهيم ما توسم به النسوية من تسميات وأوصاف حصرية مثل نسوية مسيحية ونسوية بيئية ونسوية راديكالية ونسوية يهودية ونسوية إسلامية وغيرها.

ولن تغير هذه المسميات من الأمر شيئا، فالنسوية تبقى في أي شكل من أشكالها طارئة مترددة الخطو، ملتبسة المآل، معروفة بالعلة والاعتلال، ثانوية الأهمية والمقتضيات، فهي الجنس الثانوي الذي يبتغي المساواة مع المذكر بوصفه هو الجنس الأصل. وبسبب هذا التضييق في المفهوم تغدو آفاق النسوية على اختلاف توجهاتها وتوصيفات مبناها ومحتواها ضيقة، لا يكاد يتحقق لها فعل أو قول إلا غيابه مختف في ظهوره، غير مفصح عن أهدافه ومتدار في اخفاقه.

وعلى الرغم من أن النسويات المنضويات في النسوية يبقين متحمسات لعملهن ومقتنعات بالأدوار التي يقمن بها؛ فإنهن لا يتجاوزن دائرة الأفق الذي هن فيه متقوقعات، متضايقات من بعضهن بعضا، فوضويات في نظامهن ومتبرمات من الآخر متزمتات في أحكامهن عليه. وما بين التضايق والتبرم والتزمت تتضارب الأفكار وتشطح الأمنيات وتتفاقم حمى التباري والمنافسة مع الذكورية.

والسؤال الجوهري هو: متى تكون النسوية مفهوما عاما يتعالى على آفاقه الضيقة التي تريد الذكورية قولبتها فيه على شاكلة المسميات التحديدية مثل عد النسوية حركة أو موجة أو تيارا أو مسارا؟ وكيف يمكن للنسويات أن يتحررن من حمى التباري والمنافسة ويقتنعن بأن هدف النسوية ليس التباري مع الذكورية ولا معاندة نظامها ومخاصمته؟

إن النسوية اليوم هي نفسها نظام يحتاج من النسويات فلسفة بها يتخلصن من تركات ما ألصق بهذا النظام ـ عن غير قصد وأحيانا من قبل النسويين والناشطين ـ من تعلات السياسة وعقد الاجتماع ومخاوف علم النفس وتطلعات الثقافة، وينطلقن بدلا من ذلك من واقع حقيقي هو ليس مجرد تعلة ولا عقدة ولا خوفا ولا تطلعا لأن النسوية مثل المرأة كائن حقيقي لكنه مغيب منذ سالف العصور بإرادة وقصدية ذكوريتين.

وهو ما يستدعي وجود إرادة وقصدية أنثوية مماثلة من أجل استعادة الواقع الذي كانت فيه النسوية كيانا ظاهرا للعيان متعدد في الحدود والأغراض والمناهج، منتسبا إلى أكثر من علم أو حقل أو ميدان متجها نحو الحياة على اتساعها شاملا جميع صورها ومغطيا مختلف هيأتها وصيغها.

وباشتغال النسويات على هذا المنوال سيتخلصن من براثن التباري مع الذكورية ويحلقن نحو آفاق مديدة ورحبة بها تعتلي النسوية القمة نظاما لا يحتاج برهنة ولا يستجدي من الذكورية شرعية أو مباركة لأن الحياة لا تقوم من دونه (أي النظام النسوي)، وهو فارض لوجوده فرضا لا مجال فيه للتشكيك أو الدحض.

وباتسام النسوية بهذا الأفق العمومي ستتوافق مع شائعية الفضاء العولمي الذي فيه المرأة ليست مرآة لجنسها ولا النسوية مرآة للنساء؛ إنما المرأة كيان لا يشابهه كيان منه يتشكل المجموع الذي هو النسوية.

وبهذا تكون النسوية قد دشنت أهم خطوة في طريق تنقية مفهومها من كل ما ألصقه بها أولئك الذين حصروا قدر النسوية في السياسة، وعبّروا عنها كحركات وتشكيلات وأحزاب وتكتلات أضرت بالنسوية أكثر مما نفعتها وجعلتها تنحدر إلى مسائل فيها تخلخلها وربما تلاشي حقيقة وجودها من ذلك مثلا لا تقييدا ارتكاسها في موضوعات ثانوية كالجندر والحرية المثلية وصرعات الموضة والازياء.

بالعمومية، تغدو النسوية مفهوما لنظام قائم بذاته وليس مجرد جنس آخر هو في المحصلة ثانوي وضعيف. لذا تتساءل دي بوفوار: كيف تَمكن أحد الجنسين فقط من فرض نفسه كجوهر وحيد منكراً وجود كل سببية تربطه بالجنس الآخر الصرف؟ ومن أين أتى للمرأة هذا الوضوح؟

لا غرابة في أن تظل النساء على طول التاريخ ملحقات بالرجال وبما يجعل التبعية تاريخية فيها تتنازل المرأة عن استقلاليتها كينونتها وفرادة شخصيتها لتكون ثانوية وتكميلية حتى إذا أرادت استرداد حريتها وفرادتها راحت تدور في الدوامة المتعلقة بازدواج جنس أصل بجنس هو تابع وليظل النزاع نزاع تحدّ ليس إلا.

إن تخلص النسوية العمومية من شرنقة الجندر وخروجها من ازدواجية ملابساته هو الذي يؤهلها إلى دخول عالم جديد فيه النسوية فلسفة وليست حركة والمرأة فيلسوفة تفكر في النسوية جوهراً وظاهراً وتتعامل مع المرأة كينونة لها واقعها الخاص والمستقل الذي فيه تتجلى صيرورة نسويتها العمومية بعيداً عن مقارنتها مع الرجل وقريباً من ربط صيرورتها بصيرورة الرجل بيولوجياً ونفسياً.

ولإيمان سيمون دي بوفوار بالمرأة كيانا وليس جنسا؛ استوعبت وجهة النظر المادية الجدلية متأثرة بفردريك انجلز، غير أن ذاك الاستيعاب وهذا التأثر لم يمنعاها من مؤاخذة إنجلز في بعض المسائل، مقتنعة أن تحليله يشكل خطوة إلى الأمام لكنه بالمقابل أهمل كثيراً من النقاط المهمة، منها أن تأكيد الذات لا يكفي لتفسير الملْكية، ومنها أن محور التاريخ كله هو الانتقال من النظام المشاعي الفوضوي القديم إلى الملْكية الفردية دون أن يقال لنا كيف حدث هذا الانتقال؛ ومنها أن انجلز نفسه يعترف بأننا لا نعرف شيئاً حتى الآن فهو لا يجهل تفصيلات التاريخ فقط بل إنه لا يوحي بأي تفسير له ?ما أنه ليس واضحا أن الملْكية الفردية أدت حتما إلى عبودية المرأة. ومن انتقادتها لإنجلز أيضا رفضها أن يكون اضطهاد المرأة هو وليد الملْكية الفردية أو أن ضعف المرأة العضلي هو سبب نقصها إلا في علاقتها مع الأدوات الحديدية والبرونزية.

ومن الغريب أن سيمون دي بوفوار لم تؤكد هويتها كفيلسوفة كما لم تشر إلى أن إنجازاتها هي إنجازات فلسفية. ليس ذلك حسب؛ بل ذهبت إلى توكيد تابعيتها لسارتر. ولا خفاء أن في قبول هذه التبعية تواطؤية نسوية، ولا نجد سيمون كانت مضطرة إلى قبولها ما لم يكن قصدها توكيد انتمائها الفكري لسارتر الذي أفادها بالطبع في تدعيم تصوراتها للمرأة لا سيما في كتابها «الجنس الآخر» الذي فيه تبدو سيمون فيلسوفة نسوية كلاسيكية وهي تنتقد الرجال وتؤشر على مناح سلبية.

وبسبب تسربل فلسفة دي بوفوار في هذا الأفق الأيديولوجي الوجودي الذي انحاز بالمرأة نحو مادية الحركة التاريخية وديالكتيكية الوجود الإنساني لم تعد المرأة هي الكيان المراد انتشاله من وصمة «الجنس الآخر» متحصلة على نتيجة متوقعة وليست غريبة وهي أن مصيبة المرأة تكمن في أنها نُذرت من الناحية البيولوجية لتكرار الحياة مفترضةً في النظرة الوجودية أن تعمل على فهم كيف أدى الوضع البيولوجي والاقتصادي للجماعات البدائية إلى تسلط الرجل، وهو ما أكدته في كتابها «كيف تفكر المرأة»، مركزة على موضوعات نفسية كالغيرة والفضيلة والكبرياء?وقوة الشهوات والنميمة والتلون والتعويض والنقص والغريزة والثقافة والجنس والبغاء.

ولا خلاف أن للمرأة في التاريخ الشفاهي القديم أساطير هي فيها إلهة تُعبَد، وفيها الخصب والدمار وأم تطاع وتتبع لأنها الأصل والأساس، لكن هذه المكانة تغيرت في التاريخ العام الذي وصل إلينا مدونا من قبل الرجل، فحُرِّفت حقائق وغُيرت وقائع ووجهت مسائل معينة وجهة ذكورية من ذلك مثلا ما حصل في بداية عصور الكتابة من تلاعب في بعض ما تضمنته الذاكرة الشفوية عن أساطير تتعلق بأمومية المرأة وألوهيتها مزيفا حقيقتها وطبيعة أفعالها التي لا قسوة فيها ولا تقلب أو تلون، والسبب غيرته منها التي جعلته يصورها كائنا فيه الشر والخطيئة و?لظلم، مغيبا دورها الامومي.

وكانت الملاحم قد تضمنت أساطير ومنها أسطورة التكوين وفيها مؤشرات أو دلائل على التزييف الذي دشن للأبوية نظامها، تغاضيا عن مرحلة شفاهية فيها كانت المرأة كيانا مهيمنا لكن الرجل استلب منها كيانها ليهيمن ويؤسس عادات وأعراف اجتماعية وتقاليد أدبية فيها للمرأة مكان ثانوي.

وبذلك يكون هناك تاريخ كتابي رسمي وعام، استبدل نظاما بنظام فاختفت في جناباته حقيقة المرأة في مقابل تاريخ شفوي شعبي وخاص، فيه الرجال من صنع النساء اللائي عندهن كل أسرار الكون وفيهن تكمن ألغاز الطبيعة. ومن هنا نفهم لماذا المرأة في الأداب الرسمية التي هي ذكورية موضوع أثير داومت أغلب الأعمال الإبداعية عبر التاريخ على تجليته راسمة صورة للمرأة استصغارية بوصفها جارية الرجل السيد الذي بيده مصيرها بينما المرأة في الآداب الشعبية هي الطبيعة الخارجة عن السيطرة الذكورية والمهيمنة بالسحر وهي اللغز الذي يحلم الرجل بمعرفته?مفككاً شفرته الأنثوية.

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress