محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

الأيادي البيضاء أمجادٌ لا تندثر

طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
نادية ابراهيم القيسي

منذ نعومة أظافرنا ونحن نسمع ونقرأ مقولة (القناعة كنز لا يفنى)... لكن نادراً ما رأينا القانعين في هذه الحياة. مر بنا الزمان أصبح العالم الشاسع الذي كنا نهاب خوض غماره قرية صغيرة تربطها شبكات الكترونية حجمت عالمنا تدريجياً حتى استقر في قبضة اليد؛ باختلاف الأجهزة المستخدمة والتقنيات، تنوع وسائل التواصل، المواقع، محركات البحث والمنصات.

أصبح العالم الافتراضي أكثر لمعاناً واغراء من واقعنا الممل وحياتنا الرتيبة القاسية فهو يجمع كل ما يستميل الأهواء، ما يمنع هنا... لا يمنع هناك فالوصول لأي شيء تقريباً يسيرٌ ومتاح. عالم مصطنع شرَّع آفاقًا لا متناهية ليغني فيها كلٌّ على ليلاه ويدعي فيه من شاء.. ما شاء من إنجازات وأمجاد. أصبحت حياتنا لوحات يُتبارى فيها لرسم الصور المثالية للحصول على أعلى عدد من الاعجابات... التعليقات والمشاركات.

حيث ان في هذا العالم الافتراضي الكل ملائكة تمشي على الأرض وتحلق أيضاً في سماء الابداع، لا تشوبهم شائبة فأكبر عيوبهم طيبة قلوبهم الزائدة وجُلَّ همومهم أن لا أحد يستوعب مدى معاناتهم في هذه الحياة البائدة. أصبح عدد الأصدقاء الوهميين أكثر قيمة من أصدقاء الواقع، توثيق الأحداث على سطحيتها ونشر صورها وبهرجتها أمرٌ واجب لإضافة عامل الأهمية وتعظيم الأنا النرجسية حد الاشباع، أما التشعب في حوارات فارغة عقيمة لا منتصر فيها -إلا مواقع التقييم (الترند)- دليل في اعتقاد البعض على الثقافة ونبوغ العلم.

كل هذا في سبيل تحقيق أمجاد زائفة في واقع مصطنع لا يدرك المقاتلون في سبيله هشاشة صروحهم المشادة وأن أمر اختفائها ليس أكثر من كبسة زر.

بالمقابل بعيداً عن كل هذا الوهم ومهاترات من يسعون وراءه... على أرض الواقع القاسي الصلب ما زالت هناك الأيادي البيضاء... التي تروي الأرض بنزيف جروح أناملها التي تحفر منذ سنوات في الصخر لينشق من هذا الرواء زهور برية مشبعة بعبق المسك. بانجازات حقيقية ولدت من ضعف الحاجة وقوة الإرادة لتسطر دروساً في معاني الصبر، التوكل وليس التواكل، البسالة في خوض صعوبات الحياة وضيق المعاناة. أيادٍ لقلوبٍ أُرهقت.. وأرواحٍ كبُلت.. وخواطر مراراً وتكرارًا كُسرت.. ولكنها أبداً لم تقنط من رحمة الله.. سعت وعملت، عقلت وتوكلت لتحقق انتصارات للذات أولاً على الذات ثم على باقي مشقات الحياة.

بدأت خطوة بخطوة لتحقق انجازات صغيرة كانت في عيونهم بداياتٌ لآمالٍ كبيرة تستحق كل ذلك الشقاء النابع من مرارة الحرمان.. الخذلان... وصراعات لم تكن أبداً في الحسبان. فالصراع الأزلي بين الخير والشر موجود منذ بدء الخليقة لكن امتدت جذوره لتغرز بيادقها بقوة وبهيئات مختلفة في مفاهيم كنا نظنها في مجتمعاتنا بموروثاته الأخلاقية من المسلمات؛ لكن كيف لا تمتد بذور الشر ونحن أصبحنا في عالم الظهور الاجتماعي فيه وتقييماته عند البعض أهم من مصداقية الانجازات؛ تجميع الشهادات والألقاب الرنانة الزائفة تستحق التضحية عندهم حتى بأقرب العلاقات.

عالم الأنا النرجسية المرضية ومن بعدها الطوفان؛ تلك الأنا التي لا تستطيع أن تحقق أحلامها وتظهر ذاتها الهشة بطريقة استعراضية مبهرة إلا باغتيال تلك الأيادي البيضاء الصانعة الحقيقية لما يتمنون من أحلام الرعاة وهم في مضاجعهم نيام. وعليه يبررون لأنفسهم بما يرون في ذواتهم من ملائكية أن من حقهم استخدام كافة الأساليب المشروعة واللا مشروعة لتحطيم الأعداء المنصبين في مخيلاتهم أليس في الحرب كل شيءٍ مباحا !!!فلا رادع لملكات الثلج عن نفث السموم الباردة تحت أقنعتهم الصفراء ولا مناص من المومياوات ولفائف مكائدهن التي تحاك في الخفاء ولا هؤلاء الذين يحسبون علينا رجالاً بناء على مسمى ذكر في شهادة الميلاد وأفعال كيدهم غيرةً.. حقداً وطمعاً.. فاق كيد النساء. عجباً.. ألا يوجد عندهم ضمير حي تعتريه التساؤلات؟ لماذا كل هذا؟ إلى أين ستوصلنا هذه المتاهات؟.

أين نحن من كنوز القناعة والرضا بما قسم لنا الله من أرزاق ودبر توزيعها فيما بيننا فهو العدل الذي حرم الظلم على نفسه ولا يرضاه على عباده وعنده الظلم يوم القيامة ظلمات. هل بريق الدنيا ووهج التألق وإن كان لحظياً.. زائفًا.. زائلاً ومنسياً أهم من تآزرٍ.. تعاضدٍ محبة وإخاء يجمعنا لنحقق على أرض الواقع معاً ما هو أعظم... أقوى وعند الله خير باق...!!! ستبقى تساؤلاتٌ معلقة.. لا تجاب إلا بتغير القناعات وتقبل أن نجاحات الاخرين الواقعية والاعتراف بجهودهم وانجازاتهم ليس خطرا محدقا يهدد ذوات البعض بالفشل والانهزام في عراك حياتهم الافتراضية؛ ولن يكون صنيعهم وتجبرهم وعدوانيتهم غير المنطقية مانعاً لما كتب الله لعباده من أرزاق (و في السماء رزقكم وما توعدون) فالحمد لله القاهر فوق عباده الحكيم الخبير، دائماً وأبداً الحمد لله رب العالمين. ويبقى في القلب غصات تأبى البوح والله من وراء القصد

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress