تتأثر قطاعات المجتمع المختلفة بمحركات التطور العلمي والتقني بشكل متسارع، ويعد قطاع التعليم من بين تلك القطاعات الأكثر تأثرا واستجابة لتلك التطورات، فإلى أي مدى سيبقى شكل التعليم على ما هو عليه؟ هل نمتلك خططا تنبثق من تفهم تلك المحركات، وتواكب سيناريوهات مستقبل التعليم المتوقعة؟ وكيف يُنظر لمستقبل هذا القطاع خلال الثلاثين سنة القادمة؟
شقَ التعلم المدمج طريقه قبيل مطلع الألفية الثالثة حيث شرعت المعاهد العليا والجامعات العالمية بطرح مساقات التعلم عن بعد (التعليم الافتراضي)، وجاءت جائحة كورونا فسرَعت من عملية التعلم الذاتي، وتنوعت وسائل عمليات التعلم وأخذت بالتسارع كما ونوعا وانتقلت قاعات التدريس الافتراضية إلى غرف المنازل (التعلم عن بعد)، وسرعان ما انتشرت العدوى في قطاع التعليم بفعل إجراءات التباعد الاجتماعي والتقليل الاحتكاك المباشر لغايات الحد من نقل عدوى فيروس كورونا.
أعد المختصون في مستقبل التعليم سيناريوهات أربعة تتعلق باستشراف قطاع التعليم مستقبلا، وتنُبئ بالتغيرات المصاحبة لعملية التعليم المتوقعة خلال الثلاثين عاما القادمة، فقد حدد منتدى الاقتصاد العالمي الرابع تلك السيناريوهات على النحو التالي (تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD بالتعاون مع منتدى الاقتصاد العالمي WEF):
السيناريو الأول: أنظمة تعليم شخصي/ استمرار التعلم الرسمي الحالي مدعما بالتقنيات الحديثة وزيادة التعاون الدولي بعمليات النقل المعرفي – مقابل الاعتماد على التعليم الشخصي وبقاء هياكل التعليم على حالها.
السيناريو الثاني: أنظمة تعليم مرن/ تلاشي أنظمة التعليم التقليدية، وانتقال التعليم من الأماكن المخصصة الى الأماكن العامة (المجتمع)، تشكل تنظيمات أكثر تنوعاً، وخصخصة ومرونة بوجود التكنولوجيا الرقمية التي تعد محركا رئيسا للأنظمة التعليمية المستجدة.
السيناريو الثالث: انظمة تعليم تشاركي/ بقاء المدارس موجودة ويكون التنوع والتجريب هما المترسخان فيها أي؛ زيادة ربط المدارس بمجتمعها، وتفضيل اشكال التعلم المتغيرة باستمرار (لا جمود في عملية التعلم)، ويزداد حجم المشاركة المدنية والابتكار المجتمعي.
السيناريو الرابع: أنظمة التعليم اللامكانية/ التعليم في كل مكان (لا حدود جغرافية امام التعلم)، وفي كل وقت (لا محددات زمنية -لا وقت محدد لعمليات التعلم) وتذوب الفوارق بين التعلم الرسمي، وغير الرسمي بسبب قوة التكنولوجيا.
إن عملية التفكير والتحضير لتلك السيناريوهات لا ترتبط بواقع المجتمعات وفقا لقوتها الاقتصادية بقدر ما يرتبط بقوة تلك المجتمعات الفكرية، ومستوى جديتها بالتحضير المختص لمواجهة متطلبات الوصول لتلك السيناريوهات بأقل خسائر، وأكبر عوائد تعلمية. وهذا يتطلب من الجهات المختصة الرسمية وغير الرسمية (القطاع الخاص) على حد سواء التفكير بما يلي:
مراجعة التوجهات الاستراتيجية الكبرى الخاصة بقضايا التعليم بمشاركة كافة الفئات المعنية، وتحليل البيئة الوطنية والقطاعية بشكل علمي ودقيق آخذين بعملية التحليل كافة المؤثرات التقنية، والتشريعية، والاقتصادية الخ المؤثرة على التخطيط قصير ومتوسط وطويل المدى والمنسجمة مع تلك السيناريوهات المستقبلية.
إعداد خطط تتضمن البرامج والمبادرات المناسبة لتسريع عملية الوصول إلى تلك السيناريوهات المحددة، ورصد الموارد اللازمة لتحقيقها وفقا لمقدرات المجتمع وإمكاناته.
فتح قنوات الاتصال الفعال مع القطاع الخاص التعليمي، للخروج بدراسات مشتركة تقلل من الخسائر المستقبلية المحتملة التي تؤثر على النمو الاقتصادي بمجال التعليم، وشكل البنية التحتية المستقبلية التي تناسب عمليات التعلم.
ترسيخ مبدأ التفكير الجمعي، بإشراك المختصين بقطاع التعليم من مختلف مراكز المحافظات، واستقبال كافة المقترحات المدعمة بالتوعية حيال المتغيرات المستقبلية المتسارعة وكيفية الاستجابة لها، وعدم اقتصار عمليات التخطيط على لجان مصغرة متحوصلة على ذاتها لرسم مستقبل التعليم خلال الثلاثين سنة القادمة.
على أولياء الأمور الطلب من مصممي المنازل تخصيص إلى جانب غرف الجلوس، النوم، الخ غرفة صفية تحاكي المختبرات التعلمية في المدارس لضمان توفير بيئة تعلم مناسبة لدراسة أبنائهم مستقبلا.
أخيرا
المستقبل يتسارع بشكل لا يحتمل التغافل بل يجب تحمل المسؤولية الجماعية أمام كم وكيف المتغيرات التي تدور رحاها عالميا، فالشرائح الذكية تزرع بنجاح في جماجم البشر وتسهم في حفظ واسترجاع المعارف المختلفة وتقلص سنوات الحفظ وتلقين المعلومات، والروبوتات تقصي آلاف المعلمين عن عمليات التعليم الصفي، والمساقات التعليمية لا يحصى عددها وشرحها على مواقع الشبكات العنكبوتية وقنوات التواصل الاجتماعي، والطالب يلتحق باي مدرسة عالمية من موقعه الجغرافي الذي لا يتطلب منه جنسية ولا شهادات انتقال صفية، وأما كل تلك المتغيرات ما زلنا ?حمل ملفات ورقية لخطط لا يتجاوز مداها السنوات الخمس أتمنى أن ترتبط بمستقبل التعليم الذي لن يكون للأسف كما يخطط له.
خبير التطوير المؤسسي واستشراف المستقبل