محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

تربية الضوء

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
هند كامل (كاتبة عراقية مقيمة في السويد) بينما كان يحبو العالم نحو عصر التنوير، بزغَ ثلة من الفلاسفة والمفكرين، أخذوا على عاتقهم هز مهد الحياة، وترويض المجتمع، من خلال التركيز على النشء الجديد. وقد انبرى لتلك المهمة في البدء جون آموس كومينيوس (1592-1670)، الذي أرسى طريقة التعليم المبسط العملي، موضحاً أنّ السبيل نحو العلوم بكامل حلّة بياناتها المتشعبة، لا بد أن تمر عبر باب البساطة.

وبرغم شغف كومينيوس بتعليم الأطفال، إلا أنه نهى عن النهم في طرح المعارف، إذ ركز على تعليم كل موضوع على حدة، والتأكد من فهم المادة قبل الانتقال لما يليها. كان ضليعاً في إرساء الجسور بين المعارف. ويرجّح أن عمله كأسقف في الكنيسة المعروفة حالياً بالمورافية، كان له الأثر البالغ على منهجيته التربوية، لذا نجده يعد الكشف الإلهي إحدى طرق التعلّم بالإضافة إلى الحواس والعقل.

خلال القرن الثامن عشر، سطع نجم جان جاك روسو (1712-1778)، متميزاً بصداحة صوته ووقع كلماته الساحرة على الجماهير، فحرك الواقع الأدبي والتعليمي والسياسي، ووصلت جذوة تأثيره إلى الثورة الفرنسية. أما على الصعيد التربوي، فكان يرى أنّ الغاية من التربية والتعليم، هي تطوير الذات وليس مجرد نقل المعلومات بصورة آلية. وأوضح أن المتعلم هو محور العملية التعليمية وهو صاحب الاختيار، وعلى المعلم البحث والاستقصاء عن ميول الطلبة، لغرض توجيه القصد الخفي للتعليم باتجاهها، فلا تعلّم بلا تكريس حقيقي لانتباه الطلبة، وهذا يتأتى من من? مساحة اختيارية للمتعلمين. ولا عجب أن يعدّ روسو الحرية صنو الإنسانية، فهو يرى أن المرء إذا تخلى عن حريته، فكأنما تخلى عن إنسانيته.

عوّل روسو كثيراً على الخير الفطري في الإنسان، وآمن بأن الإنسان يولَد طيباً، لكن المجتمع يفسده. من هنا قفزت إحدى بنات أفكاره في أكثر مؤلفاته تداولاً؛ كتاب «إميل»، ففيه يصف الريف بأنه البيئة المثالية لتربية الأطفال، بوصف الريف أكثر هدوءاً ومواءمة صحية من كُبريات المدن. ورغم ألمعية روسو ومقبوليته في الأوساط، إلا أنه عرّض نفسه للانتقادات لتبنيه النموذج الروماني العتيق لتفضيل الذكور. إذ اعتبر الرجل سيداً لنفسه، بعكس المرأة التي سلّم زمام أمورها بيد زوجها ليتحكم بها، فالمرأة المثالية وفقاً لرؤيته هي المكرسة للأم?مة والأعمال المنزلية.

ثم جاء فريدريك فروبل (1782-1852) ليردم هوّة الماضي السحيقة تلك، لكن ليس بالتطلع المستقبلي، وإنما بالاندماج مع الحاضر لتحقيق النمو.

درس فروبل علم الأحياء، واختار علم النبات تخصصاً دقيقاً، فكان لذلك بصمة على عطائه في ميدان التربية، إذ أطلق اسم «حديقة الأطفال» (Kindergarten) على أول روضة للأطفال ثام بتأسيسها في ألمانيا، ومنها انبثقتْ الفكرة إلى العالم. رأى فروبل أن الأطفال كالنباتات، وهم يحتاجون بالتالي إلى بستاني محترف، ذاك هوَ المربي الجيّد. اعتمدت فلسفة فروبل الكامنة خلف رياض الأطفال على التواصل مع الطبيعة والتعرف على قوانينها، وتطوير العامل الاجتماعي من خلال التواصل مع الأقران، وتغذية العامل الأخلاقي بصورة عامة، والعامل الديني بصورة ?اصة للأطفال دون سن المدرسة، وكذلك مبدأ التعلّم باللَعِب للأطفال لشحذ الحواس. وفي هذا الصدد ابتكر فروبل مجموعة من ألعاب تعليمية عُرفتْ باسم «هدايا فروبل»، ومت زالت متداولة حتى الآن وتحديداً في أوروبا.

أما البراغماتي جون ديوي (1859-1952)، فقلبَ طاولة التقاليد والموروث، واتبع نهجاً تربوياً يتحرى فيه التقدمية والتجريب، وأصر على تحديث البرامج بين الحين والآخر لمواكبة التطور الحاصل. وأسس ديوي المدرسة التقدمية الأولى من نوعها، واعتمد فيها نظام التعليم العملي التجريبي بعيداً عن مناهج التلقين النظري، واستحثّ المعلمين على التنقيب في شخصية الطالب للكشف عن ميوله واهتماماته، لمجاراتها بغية تطويرها وصقلها. ورأى ديوي أن التربية أشمل من التعليم، وأن من الضروري أن تستمر دورتها مع دورة حياة الفرد.

واكبتْ حركة جون ديوي حركة عالية الزخم والتأثير للفيلسوفة والطبيبة وعالمة النفس والمعلمة ماريا مونتيسوري (1870-1952). ورغم الانتقادات اللاذعة من أتباع ديوي لنهج مونتيسوري، إلا أن موج مونتيسوري كان عارماً ليجتاح الأنظمة التعليمية شرقاً وغرباً، فوجد صداه على شكل مدارس أُطلِقَ عليها اسم «مدارس مونتيسوري» في الولايات المتحدة، وإيطاليا، والهند، وبريطانيا، وهولندا وسنغافورة. بداية ماريا مونتيسوري كانت في روما، إذ طُلبَ منها تعليم مجموعة من الطلبة ينحدرون من أُسر محدودة الدخل، فأنشأت مدرستها الأولى التي أسمتها «بيت الأطفال»، وبدأت بتطبيق نظرياتها وإرساء نظامها الذي ما يزال معمولاً به حتى يومنا الحاضر في الكثير من دول العالم ومنها السويد. شيئاً فشيئاً غادرت مونتيسوري مزاولة الطب وكرستْ نفسها للتعليم، وتدريب المعلمين، وإلقاء المحاضرات. وينظر إليها مؤيدوها حول العالم على أنها منظمة، إذ قسّمت مونتيسوري اليومَ الدراسي بين الساعتين التاسعة صباحاً والرابعة عصراً إلى فترات محددة منها التماري? الرياضية، والأنشطة الفكرية، والأعمال اليدوية، واللعب، والاهتمام بالبيئة والتواصل مع الطبيعة، والغناء والإنشاد، ووقت تناول الطعام والاستراحات. أما مناوئوها فاعتبروا ذلك صرامة مفرطة.

كانت اللمسة الإنسانية الحانية لماريا طاغية حتى في مساحات الصفوف التي اشترطت أن تكون واسعة رحبة، وأن يكون هناك تصميم خاص للأثاث في مدارسها، يتمتع بمقاسات ومواد وألوان مناسبة لأعمار الأطفال وتضمن سلامتهم.

كل ما مرّ آنفاً أفكار وتجارب نجحتْ في حقبها الزمنية لفلاسفة فطاحل في زمانهم، لكن ليس من الحكمة أن ننسخها مراراً وتكراراً في وقتنا الراهن. فما جرى ويجري في المدارس التقليدية في أوروبا، أو المدارس النموذجية للعالم الثالث، من اقتباس نصّي لأيديولوجيات القرون السابقة، لن يؤدي الغرض المنشود. والسبب ببساطة أنّ عجلة الحياة مجبولة على الدوران سريعاً، لا سيما في الألفية الثالثة، مدفوعة بعزوم التكنولوجيا والسياسة والاقتصاد. لذا يجب أن تراعي تهيئة الأجيال السياقات والمتطلبات الحالية والأدوار والخطط المستقبلية، مع الأخ? بالاعتبار التطورات المعلوماتية في جميع مجالات العلوم، والتربية، والطب، والطب النفسي، لمجاراة نمو النشئ الجديد. ولا بأس من الاستفادة من الفلسفات السابقة، إلا أننا بأمسّ الحاجة لفلسفة آنية تبلور لحظتنا الراهنة.

ربما أن ميدان التربية هو أصعب الميادين في الحياة وأكثرها حساسية، إذ يقع على عاتق المربي العناية بالبراعم وتوجيه مسار نموها تارة، أو تركها تشق طريقها بعنفوان ميولها تارة أخرى، لكنه بكلتا الحالتين سيكون «الملاك الحارس» الذي يذلل الصعاب ويعبّد السبيل للمتعلمين.

لذلك، فإن إعداد كوادر المربين هو حجر الأساس لإنجاح العملية التعلمية، وهذا يتضمن الإعداد النفسي والفكري والجسماني واللغوي السليم. والهدف تأهيل أيادٍ كفوءة بالإمكان الاعتماد عليها وائتمانها على الجيل الجديد، لبنائه وتعزيزه بالفضائل لا العكس. فبين الفينة والأخرى نسمع عن وقوع حوادث في كنف مؤسسات تعليمية، من إساءة معاملة وتعنيف وعنصرية، سواء من قبل أفراد الطاقم التربوي أو من قبل الأقران، لكنها تُقابل بمعالجات خجولة، أو يتم غض الطرف عنها. والأدهى حينما يصير الطلبة حقل امتصاص وتفريغ لعلّات وأزمات المربي النفسية، ?ا يعني أننا سنكون أمام حقل ألغام في المستقبل.

من هنا تبرز أهمية تفعيل الإشراف والرقابة والتقييم الدوري لأداء المعلمين، وتفعيل قوانين حماية حقوق الطفل، والحرص على تنفيذ القوانين بما يخدم مصلحة الأطفال بالدرجة الأولى، باعتبارهم الغاية المنشودة. وكما يقول غاندي: «إذا أردنا أن نحقق السلام الحقيقي في العالم، فعلينا أن نبدأ بتعليم الأطفال»، لذا تترتب علينا مسؤوليات جسام للعناية بكتلة الضوء تلك، بكل فوتونات مواهبها، ولتعزيز سطوعها أيضاً.

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress