محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

فندق جبل عمان

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
ربا الناصر (كاتبة أردنية) في كل صباح يجلس كعادته في زاويته المفضّلة في المنزل، يقرأ الجريدة ويشرب قهوته قرب النافذة المطلة على الحديقة الخلفية، يقلب نظره بين الجريدة والشجر الممتدد على طول الحديقة مطلقا تنهيدة طويلة أعرف منها أنه تذكر شيئا ما في الماضي، فجعبته ممتلئة بالذكريات والحكايات التي استلهمها من عمله نادلا في فندق «جبل عمان» الذي بُني في ثلاثينيات القرن العشرين وامتلكته عائلة كرم إلى جانب امتلاكها فنادق أخرى في القدس، وقد بُني هذا الفندق هنا على غرارها قبل أن يهدَم في الثمانينات ويسدل الستار على أجمل معالم عمان الأثرية بذكر?ات جدرانه التي احتضنت أحداثا عبر السنين.

"يتكون الفندق من ثلاثة طوابق تسع خمسين نزيلا، أكثر ما يميزه باب مدخله الخشبي المزخرف بنقوش تراثية ملونة وأرضيته الفسيفسائية ناهيك عن نوافذه المقوسة ذات الزجاج الملون، أما أجمل ما فيه فهو البلاط اليافاوي الذي استُورد خصيصا ليزين أرضية الغرف». هكذا وصف جدي الفندق عندما تحدث عنه في إحدى المرات. كان الفندق يقع في شارع خرفان بجبل عمان، وكان بالقرب منه درج يطل على عمان من علو ويكشف السوق المحاذي للسيل والمستشفى الطلياني.

"لم أتجاوز العشرين من العمر عندما انضممت لفريق العمل فيه بعد إتمامي دورة تدريبية استمرت ثلاثة أشهر في الفندق الرئيس في القدس، تعلمت فيها أساسيات الضيافة بما يليق مع الخدمة الفارهة التي سيقدمها الفندق لنزلائه من كبار السياسين والأدباء والعائلات العمانية المرموقة آنذاك».

لم أستطع الانتظار فكلي شوق لسماع حكايات جدي عن مواقف حصلت معه أثناء عمله آنذاك، لذا طلبت منه بعد أن فرغ من شرب القهوة وألقى الجريدة جانبا أن يسرد لي بعضها، ابتسم وبدأ في الحديث:

(1)

أول حب

من بعيد لمحته يتقدم نحو استقبال الفندق مرتديا قمبازا، تعلو رأسه كوفية بيضاء مهدبة، يتقدمه حامل الحقائب، تسلم مفتاح غرفته وتوجه نحو الطابق الأول، طلب من موظف الاستقبال عدم إزعاجه كي يستريح من عناء السفر.

في المساء تزامن وجوده في صالة الطعام مع موعد العشاء في الفندق، اكتظت الصالة بالنزلاء، جلس على طاولته وقد غير ثيابه مرتديا بنطالا بنيا وقميصا أبيض، وبينما كان يتناول طعامه وضعتٌ أمامه كوبا من الشاي، ابتسمتُ له ثم سألته إن أراد شيئا آخر أجلبه له، هز رأسه بالنفي لكنه سألني عن محل لبيع الزهور في عمان، يريد إهداء باقة من الورد لشخص عزيز على قلبه، فقلت له بلا تردد: «محل أبوالحافظ بازيان للزهور، ببيع أجود أنواع الزهور وأنضرها»، ثم انصرفت.

استعجلَنا المديرُ طالبا منا الإسراع في ترتيب الطاولات في الحديقة الخلفية للفندق الممتلئة بالأشجار المثمرة والمساحات الخضراء الواسعة، فثمة مناسبة اجتماعية لإحدى العائلات المرموقة ستبدأ مراسيمها بعد قليل، وكما فهمت من أحد زملائي فإن العائلة ستحتفل بحصول ابنتها على شهادة الثانوية من مدرسة شميدت في القدس وعودتها سالمة من هناك، فالمدارس الثانوية للبنات لم تكن موجودة بعد، وقلة من العائلات الأردنية استطاعت إرسال بناتها لإتمام تعليمهن خارج الأردن آنذاك.

توافد المدعوون من الأصدقاء والمعارف حتى عجت الحديقة بهم ثم علا الجو الفرح بقدوم أصحاب الحفل تتوسطهم ابنتهم الخريجة. ابتدأ الحفل على دندنات العود وجلبة الصوت العالية من الحضور. في تلك الأثناء انشغلتُ بتوزيع الطعام المتنوع بين الفريك بالدجاج، والمنسف باللحم، هذا غير العصائر الطازجة على المدعوين، وبعد أن فرغت وقفت جانبا أتأهب لكل من يشير إلي بإصبعه أن أذهب نحوه وأجلب له ما يريد.

ربت زميلي على كتفي وهمس في أذني ثم انطلقتُ مبتعدا عن الحديقة باتجاه صالة الطعام الأساسية، لأجد النزيل الذي سألني عن محل الزهور ينتظرني ومعه باقة الورد وفيها ورقة مكتوب عليها: » مبارك يا أجمل سلوى ومنها للأعلى.. ح.ن»، وطلب مني أن أسلمها بنفسي لها.

تأمَّلتَْها قبل أن تشمّها برقّة وقد تلألأت عيناها بالأمل، سألتني عن مكان مرسلها فأجبتها: «لا أعلم، الباقة أُرسلت إلى استقبال الفندق وطلب إرسالها إليك آنستي»، ثم انصرفت وقد لمحت النزيل يقف في زاوية يراقبها عن كثب، لم ينزل عينيه عنها ثانية واحدة. تساءلت في داخلي عن حكايتهما وكلّي فضول لمعرفتها.

في الصباح تقابلت وإياه في الرواق، فشكرني على مساعدتي له ليلة البارحة، قرأ في عيني الكثير من الأسئلة، وعلى الرغم من عدم معرفته بي إلا أنه فتح باب قلبه لي وأجاب على أسئلتي، أخبرني أنه تعرف على الآنسة سلوى عن طريق أخته التي كانت زميلة لها في المدرسة الداخلية، إذ إنه تردد على زيارتها كثيرا، واشتعلت شرارة الحب بينهما، وقد أتى من القدس كي يتقدم إلى خطبتها، أما عن وضعه الاجتماعي فهو تاجر معروف صاحب محال تجارية لبيع الملابس.

مضى أقل من أسبوع على إقامته في الفندق، أخبرني أنه حصل على الموافقة الأولية من أهل الآنسة سلوى وأنه أرسل برقية إلى أهله في القدس كي يستعدوا ويأتوا من أجل حفل إشهار الخطوبة، أذكر يوم وصلوا إلى الفندق علوّ الزغاريد والأهازيج التراثية منذ أن وطأت أقدامهم باب المدخل وكأنهم جلبوا الفرح معهم.

حملنا حقائبهم الممتلئة بالهدايا والمؤن الغذائية على أكتافنا من ثقلها. وفي المساء تزينت الحديقة والطاولات بالورورد، وعم الفرح وسط بهجة الحضور وتألق الآنسة سلوى بفستانها اللؤلؤي وتسريحة شعرها الأنيقة، يعلوه تاج شُغل من ورد الفل، أضفى جمالا على محياها.

نثرت إحدى السيدات الملح والشعير على الخطيبين درءا للعين ومنعا للحسد، كما جرت العادات وقتها، واستمر الحفل حتى وقت متأخر من الليل، شعرت بالفرح أن النزيل أو السيد حسن حقق مراده، وتمنيت من قلبي دوام الود بينهما.

عاد وأهله إلى القدس، لكنه بقي دائم التردد على عمان والمكوث بضعة أيام فيها، محملا بالهدايا لخطيبته وأهلها، مغتنما الوقت في تمضية أكبر قدر منه معها، فعلى غير العادة سمح لها أهلها في الذهاب معه إلى السينما بشرط اصطحاب أخيها طاهر معها، فكنت أحتفظ بالنشرة الدعائية للأفلام التي تصدر من المطبعة الوطنية في جيبي وأحجز تذاكر لهما في سينما الخيام.

مضت الأمور بسلاسة بينهما، لكن مع اقتراب موعد الزفاف، ظهرت على السطع بعض الشوائب التي عكرت هذا الصفو، فعائلة السيد حسن لها تاريخ طويل في الحراك السياسي في القدس، الأمر الذي يتطلب منه البقاء في القدس مجاراة لأهله، وهذا ما أثار حفيظة أهل الآنسة سلوى التي تحفظت أن تغترب ابنتهم، فهم قد يسمحون لها بالسفر لإكمال دراستها، لكن إذ ما تعلق الأمر بالزواج، تبقى الفتاة في وطنها تحت أعين أهلها وعزوتها!

ازداد التوتر بين العائلتين دون الوصول إلى حل، مما أدى إلى فسخ الخطوبة وتفرق الأحبة. لم أشاهد السيد حسن بعدها أبدا ولم أعرف أي خبر عنه، أما الآنسة سلوى فالتزمت البيت هربا من كلام الناس، ولم أعد أراها حتى في الحديقة الخلفية للفندق، التي اعتادت أن تجتمع وصديقاتها فيها.

وفي إحدى الليالي، قمنا بترتيب الحديقة كالعادة استعدادا لحفل زفاف، وقفتْ أمام مدخل الحديقة سيارة امبريال سوداء اللون، ترجل منها رجل يرتدي بدلة رسمية سوداء وخلفه عروسه، بدت ملامحها من بعيد تشبه ملامح الآنسة سلوى حتى تأكدت منها عندما اقتربت وجلست على المقعد المخصص للعروسين! الجميع فرح وسعيد، أما هي فبدت كقمر تلك الليلة منير، لكن في داخله حزن مكتوم، ومنذ تلك الليلة ما عدت أسمع أي خبر عنها.

(2)

الأمانة

جلس على الطاولة واضعا قبعته الفلينية على طرفها وقد بدا عليه الارتباك، تأمل المكان قليلا قبل أن يطلب مني بلكنة عربية ركيكة كوبا من الشاي، بدأ في شربه وهو يطيل النظر في ساعته الذهبية حتى سكب جزءا من الشاي على بزته البيضاء دونما قصد، صاح غاضبا يطلب المساعدة في تنظيفها.

هدأتُ من روعته وقمت بنزع معطف البزة لأقوم بتنظيفها، تأملني بعينين خضراوين تحرسهما عدستا نظارته السميكة، هيئته ولباسه يشيران غلى أنه ليس عربي، وهذا ما تأكدت منه عندما شكرني وأنا أناوله معطف بزته وقد فرغتُ من تنظيفه، وقد قالها باللغة الإنجليزية لأرد عليه بالإنجليزية أيضا فهز رأسه إعجابا.

(أنا الدكتور جون سميث، طبيب عام، عملت فترة من الزمن مع فريق تنقيب الآثار في مدينة عجلون حيث كنت الطبيب المشرف على علاج أفراد الفريق من أثريين وعمال وغيرهم قبل أن أعود بعدها إلى لندن، لكن ثمة ما أرّق تفكيري ودفعني إلى العودة هنا مجددا).

هكذا بدأ حديثه معي قبل أن أسأله بفضول تملّكني عن ذلك الأمر، أراح ظهره على الكرسي وبدأ بسرد قصته:

(في إحدى ليالي الشتاء القاسية حيث اجتمع البرد والمطر الغزير معا، امتلأت الحفر الممتدة بجانب القلعة الكبيرة بالماء وداهمت المياهُ المتراكمة خيم فريق التنقيب مدمرةً كل شيء داخلها، مما أحدث توترا وضجة بين أفراد الفريق الذين لم يناموا ليلتها وهم يحاولون إيجاد مأوى لهم، فخيمهم هُدّت بالكامل فوق رؤوسهم!

في صباح اليوم التالي قاموا ببناء خيم جديدة وتابعوا العمل وكأن شيئا لم يكن، وبعد بضعة أيام بدأت أعراض الإنفلونزا تظهر على بعضهم، عجت خيمتي بهم وأنا أداويهم من الحمى التي قضت مضاجعهم، كانوا خمسة: أربعة من الأثريين وعامل، سرعان ما نهش المرض أجسادهم وماتوا ما عدا العامل الذي أظهر بعض المقاومة، ونظرا لعدم توفر العلاج المناسب قررت نقله إلى عمان لإكمال علاجه، وفعلا وضعناه على ظهر حمار مشفقين عليه من عناء السفر وطول الطريق، لم أستطع مرافقته فطلبت من مساعدي الأرمني السفر معه وشدّدت عليه أن يلازمه إلى أن يشفى تماما.

دَفَنّا الجثث الأربعة بعيدا عن المخيم ودَفَنّا أغراضهم الشخصية معهم، أما العامل وكان اسمه نايف كما دُوّن على القطعة الحديدية التي طوّقت رقبته -فقد جرت العادة أن يرتدي كلّ من أعضاء الفريق قطعة حديدة حُفر عليها اسمه للتعريف به-، فقد وجدت في خيمته أغراضا تخصه من بندقية وثياب وحقيبة من الجلد تحتوي على صورة شخصية له رسمت بالفحم، فاحتفظتُ بأشيائه في خيمتي لأعيدها له حينما يعود.

مضى شهر ولم أسمع أيّ أخبار من مساعدي، حاولت السفر إلى عمان بعد فشلي في الاتصال به، لكن مع توتر الأجواء السياسية في المنطقة ودخول البلدان في فخ الحرب العالمية الثانية، صار البقاء غير آمن فتوقف العمل في بعثة التنقيب عن الآثار، وعدت إلى لندن، وبعد مرور أكثر من عشر سنوات أعود مجددا لأبحث عن نايف وأعيد له أشياءه.

رأيته في أحلامي عدة مراتن وظهر وهو يمتطي حصانه مشهرا بندقيته عاليا، مصوبا إياها نحوي، ثم ما يلبث أن يتحرك مبتعدا عني، لذا قررت السفر والبحث عنه).

أخرج صورته من كيس ورقي وسألني إن كنت أعرفه، فهززت رأسي بالنفي، لكني وعدته أن أقدم له المساعدة قدر استطاعتي. عرضت عليه أن أصحبه في اليوم التالي في جولة سياحية أعرّفه فيها على معالم عمان ولالتقاط بعض الصور التذكارية بجانب المدرج الروماني وسيل الحوريات والقيام بجولة بين دكاكين وسط البلد، وبعد انتهائنا من الجولة، عرضت قصته على صاحب الفندق لعله يستطيع مساعدته.

مر أكثر من شهر ولم يصل إلى أي نتيجة فبدأ اليأس يتسلل إليه، ثم أتى صاحب الفندق ببشارة بددت غيوم اليأس، فقد استطاع عبر معارفه التوصل إلى مساعد الدكتور سميث، الذي افتتح عيادة له قرب المسجد الحسيني. وهناك التقى الدكتور سميث به وعرفَ منه أنه أشرف بعد وصوله إلى عمان على علاج نايف في المشفى مع الطاقم الطبي هناك، وأن نايف استجاب للعلاج وشُفي بعد أسبوع، ونظرا لإلغاء البعثة باتت العودة إلى عجلون أمرا مستحيلا، لذا بقي المساعد في عمان وافتتح عيادته منذ ذلك الحين، أما نايف فقد توجه إلى الزرقاء وانقطعت أخباره.

سافر الطبيب إلى الزرقاء، وبعد طول عناء عثر عليه أخيرا، ورُدّت الأمانة إلى صاحبها. أقام الطبيب هناك فترة طويلة، وقد سمعت أنه تزوج إحدى بنات نايف وافتتح عيادة طبية ثم سافر إلى لندن مجددا بعد وفاة نايف.

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress