كتاب

الدينار.. بخمسة وثلاثين.. يا بلاش

تذكرت مقلباً كنت قد شربته في إحدى زياراتي للغور منذ سنين.. لا أعرف لماذا كلما أرى ورقة الخمسين ديناراً أتذكر الواقعة. كنت في بلاد الغووور. تذكرونه؟! الغور تلك الأرض التي تقع تحت.. تحت عمّان والسلط وإربد والكرك.. بعيداً بعيداً.. الغور... تلك الأرض العظيمة التي تتسطّح على جانبي النهر، نهر الأردن أوّل ما خلق المولى من أنهار. الغور الذي يتجبّد وتلتحف بسمائه الطيور المهاجرة من زمهرير بلاد الشمال... بلاد الأغنياء والكبار الكبار، تهجرهم لتحطّ على أرض الغور وشجره.. تنعم بدفئه وبقية الدنيا تلتحف صوف الأغنام وسط جدر?أربعة وديزل ينفث ناراً سرقوه من رحم الأرض.

إذا أردت يا ابن المْدينِة أن ترى الطبيعة البكر؛ فيمم نزولًا نحو مركز الأرض لترى الغور.. تعيش في دفئه مع الزرّاع، مع بائعي الفجل والجزر والشمندر، مع جذورها الخضراء بهجة للناظرين.. مع البرتقال والليمون من خير الغور وماء النهر المقدّس.

ذهبت مع صديقين نحو الغور من العاصمة العزيزة... (عمّان) التي تتلفع بالأغطية من ساسها لراسها وقاية من برد زمهريري.. عمّان التي تتزاحم فيها الأقدام وتتضارب فيها الآراء، وأحياناً... الأرجل والأيدي صفعات ولكمات.. وصلنا البحر الذي موّتوه صبياً.. بحيرة لوط أو البحر الميّت.. ما أجمله حتى ولو غصبوه على أن يعمل (ريجيماً) قاسياً بالقوة الظالمة حين سرقوا مياه النهر الذي يطعمه ويسقيه.. ما علينا.. لن أتطرق لتفاصيل الرحلة الجميلة، لكن سأروي ما حصل معي حين أكلت خازوقا و... معذرة. جميعنا نستعمل هذه الكلمة بمعدل مرة في اليو? وأحياناً أكثر حين نُغلب في شراء في دور في دائرة في في (...).

في رحلة العودة وقفنا لنشتري خضراوات وحمضيات من صبيّ يفرش بضاعته على جانب الطريق كمثلائه من الصبية. في الغور لا يعرف الصبية الكوفي شوب ولا الريستورانت ولا النسكافيه ولا الشوكليت كيك ولا الڤاندو!!. هم يعرفون خبز الحجه ولبن العنزة خضرة.. وقفنا، اشترينا. وبفصاحتي قمت بمفاصلة البائع من باب المداعبة وتعليمه الفصال والتجارة.. وضعنا البضاعة في المركبة حتى امتلأ صندوقها والمقاعد الخلفية.. أعطيت الصَّبِي ورقة خمسين ديناراً حتى يعطيني الباقي ومقداره خمسة وثلاثون ديناراً.. ركبنا المركبة وتوكلنا على الله.. لاحظ صديقي ق?ئد مركبتنا أن البائع الصبي يشير بيديه من بعيد بلهفة كما رأى من مرآة المركبة الخلفية. قال: هو يودّعنا، سررنا لأنّه يحيينا بعد شرائنا منه كمشة كبيرة ومضينا..!!.

وصلنا عمّان يااااه؛ نسيت أن آخذ بقية الخمسين ديناراً، نسي الصبي إعطائي البقية في غمرة تعتيله البضاعة.. البعض وأنا منهم اتهمه بتناسي الموضوع وانه كان يلوح لنا من باب الشماته، والبعض أصرّ أنه كان يشير لنا بالعودة لأخذ باقي الورقة «أم الخمسين»، لكن صديقنا السائق الفصيح؛ كان حسن النيّة... هو مش خسران إشي!!. ضحك أصدقائي حتى استلقوا على أقفيتهم.. وبشماته.. خنصرْت ما مجموعه دينار خصم على جميع ما اشتريته، وخنصر الصبي البائع بدون قصد؛ خمسة وثلاثين ديناراً.. صحتين على قلبه.. العودة لمكان الصبي ستأخذ مني ثلاث ساعات ب? وأكثر في زحمة رجوع الزوار في نهاية اليوم من الغور. من يدري قد يكون أو لا يكون، قد يكون نفّق بضاعته... الله جبر ومضى لبيت الحُجاج أمه وأبيه بغلّة جيّدة!

صحتين وعافية... إني سامحته.. وتبت أن أفاصل بائع خضراوات وحمضيات ممن يسترزقون على جوانب طريق الغور..