كتاب

مشاريع الدولة الممكنة

فكرة الدولة التي اجتمع الناس جميعاً على ضرورتها، باختلاف أشكال الحكومات والدول عبر السنين، كانت نتيجة احتياج التجمعات البشرية، التي استقرت على رقعة محددة من الأرض، لمن يضبط أحوالها ويوفر لها الأمن بمعانيه العريضة عموماً، وقد يكون أكثر التعاريف تكثيفاً لمصطلح الدولة هو «الدولة الجهة التي تحتكر العنف بتوافق المجتمع على هذا الاحتكار وتقييده بالدساتير والقوانين المتفق عليها»..

هذا التكثيف أغفل عنصراً مهما تحتاجه جميع الدول، وهو الأمل الفسيح الذي تؤمن به الشعوب لمستقبل قريب مشرق، فاحتكار العنف يمكن الدولة من تطبيق القانون ورد المظالم وتنظيم حياة الأفراد والمجتمعات، والمحافظة على تماسكها ووحدة البلاد، لكنها تحتاج أيضاً إلى جانب احتكارها للعنف، لتبني مشروع وطني جامع، تتماهى فيه مع مجتمعها وطموحاته وآماله، حتى تلتف حولها شعوبها وتتجدد الثقة بين الحكومات والشارع، هذه الثقة الضرورية لتحقيق النجاح والعبور من الأزمات.

لا يجب أن تكون هذه المشاريع عملاقة، يكفي أن تكون مجموعة من المشاريع الصغيرة والمتوسطة، المهم أن تكون ممكنة، وأن تمتد خطط تنفيذها على جداول زمنية قصيرة نسبياً تقاس بعشرات الأشهر مثلاً، والأهم أن تحاكي مشاكل الناس اليومية وتطلعاتهم.

الحديث عن الهوية الوطنية الجامعة على أهميتها قطعاً، هو ترف لا يلقي له الشارع بالاً في أحسن الظروف، فما بالك بأيام انتشار الوباء، وارتفاع قياسي لمعدلات البطالة، وتمدد للفقر، وارتفاع أسعار للسلع الأساسية وتراجع القوى الشرائية.

ما جرى خلال الأيام الأخيرة في مجلس النواب ونقاش التعديلات الدستورية، يعكس مزاج الشارع الأردني، فالأكثرية اهتمت اكثر بعراك النواب الذي بقي سببه مجهولاً لأيام لدى أغلب المتابعين، ومن بعدها ربما لم تستحوذ التعديلات الباقية على اهتمام الجمهور مع أهميتها وتأثيرها المباشر على حياتهم لسنوات قادمة كثيرة.

فلماذا يقف حديثو التخرج عند إضافة كلمة أردنيات لمواد الدستور أو تخفيض سن الترشح للمجلس، وهو يقاسي في رحلة البحث عن وظيفة قد تمتد لسنوات عجاف طوال؟ ولماذا يلتفت الاب المنهك بين التزاماته التي تفوق دخله إلى مجموع عدد النواب اللازم لحجب الثقة عن وزير ما أو عن اختصاص وزارة الشؤون السياسية؟

علوم السياسة والاقتصاد، ليست علوماً بحتة ولا يمكن فصلها عن خصوصيات وأحوال حواضنها الاجتماعية، فلا يمكن لأحد تفسير نظريات العلوم السياسية أو الظواهر الاقتصادية من دون فهم واقع المجتمعات حينها، فتوماس هوبز نظر إلى الدولة من زاوية شرور الحرب الأهلية الإنجليزية، والاقتصاديون يعتمدون على أنماط استهلاك الشعوب وعاداتهم في تفسير نسب النمو والإنتاجية.

ما تقدمه الحكومة اليوم مهماً ويتماشى مع عموم نظريات تطوير الاداء، ولكننا ايضاً نحتاج لمن يقدم مشاريع وحلولاً لما هو ضروري، كالبطالة والفقر والمديونية وحرية التعبير، نحتاج لتعود الخطط الاقتصادية ومقترحات التنمية السياسية باللهجة الأردنية لتخاطب هموم الناس، لينتموا إليها ويمنحوها الزخم اللازم لنجاحها.

Saifalrawashdeh0@gmail.com