الموسيقى رفيقة مؤنسة لكل الناس طوال حياتهم وها هي اليوم معي حتى في شيخوختي بل اثناء رياضتي الصباحية اليومية استمتع بأنواعها الجيدة من اي بلد جاءت فأنا لا أعتقد أن لها «جنسيةً» تحدها وتخنق روحها الكونية الجامعة، فقبل أيام مثلاً كنت أنتشي طرباً على أنغام فرقة تركية لإحياء الجذور باسم العاشق الأناضولي مكونة من خمس عازفات وعازفين على آلات شرقية وغربية وتغني فيها مطربة تحتضن عودها ذَا العنق الطويل بما ذكرني بالمتعة التي حظي بها الأردنيون قبل سنوات قليلة بموسيقى تركية لم يألفوها من قبل مع فرقة باسم «ثلاثي تقسيم» على المسرح الروماني الصغير بدعوة من مؤسسة عبد الحميد شومان، وبالأمس لفتت نظرنا صديقة تحب الموسيقى الصوفية إلى فرقة أذربيجانية كبيرة أحيت حفلاتها الرائعة في مسرح معرض دبي الدولي ٢٠٢٠، وكم ذهلنا حين سمعنا منها أنماطاً من الغناء الأذري الشعبي الأصيل الذي أعادنا إلى اجواء الصوفية حتى خلنا طيف جلال الدين الرومي يحلِّق في سماء المشهد فيما المطربات والمطربون يعزفون ويغنون ذاك الشعر التراثي من تباريح الهوى العذري بالعربية والاذربيجانية بأداء متناسق وبتوزيع موسيقي أخّاذ وبآلات تتوزع بين التقليدية والمطوّرة وعلى خلفية ممسرحة من الأضواء الملونة وهي ترسم لوحات شرقية مزخرفة تخطف الالباب والأبصار معاً، بينما صوت قائد الفرقة المطرب سامي يوسف يعلو قوياً ويهبط حنوناً مع نقر الدفوف وقرع الطبول ليحلِّق بخيال الحضور المشدوهين، كلٍّ إلى سماوته الذاتية..
خلوْت لنفسي قليلاً لأتساءل هل يمكن لهذا الرقيّ بالفن الأذري ان يكون قد تم بين ليلة وضحاها من اجل المشاركة في معرض؟ أم انه نتاج رعاية وتطوير مستمرَّيْن منذ زمن طويل، على الأقل منذ كانت البلاد واحدة من جمهوريات آسيا الوسطى في الاتحاد السوفييتي الذي عرف عنه اهتمامه المبدئي بإحياء ثقافات وفنون شعوبه المتباينة الأصول والجغرافيا والتاريخ، ولعل ذلك يذكرني أيضاً بالفنون الشعبية التي أدهشتنا في مهرجان للشباب العالمي أُقيم عام ١٩٦٨ في صوفيا عاصمة بلغاريا يوم كانت إحدى دول أوروبا الشرقية الاشتراكية وحضرتُه مع وفد شعبي أردني كبير إذ وجدنا أنفسنا لشدة استمتاعنا نشارك الفنانين والجمهور الرقص والغناء في الساحات العامة وكنا من قبل لا نعرف سوى الاستعراضات الغنائية الراقصة المثيرة للشهوات في السينما الأميركية فإذا بِنَا أمام فنون جماعية حية أشد إمتاعاً وهي تحمل ملامح تراث عريق من الواضح أن الدولة تهتم به ولا تتركه سلعة هابطة في الملاهي الليلية وفي أيدي شركات الترفيه غير البريء التي لا هدف لها إلا جمع الأرباح والمزيد منها.
وبعد.. فمن نعم تكنولوجيا عصرنا الحاضر، بعيداً عن تطويرها لأسلحة القتل والدمار، أنها وفرت لنا وسائل نحمدها ولا ننكرها كي تنساب موسيقى جميع الشعوب إلى أسماعنا رقراقة صافية فتجمعنا على الخير والحب والجمال.