محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

الأسد الأبيض!

طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
سليم ايوب قونة

سليم أيوب قونة

في نهاية شهر آب عام 1619، أنزلت السفينة البريطانية المسماة بالأسد الأبيض أول فوج من العبيد الأفارقة لم يتجاوزعددهم ثلاثين رجلاً على شواطئ «فرجينيا» التي كانت خاضعة للاستعمار الانجليزي، بهدف بيعهم للمستوطنين البيض المتحدّرين من أصول اوروبية، تماماً كما تباع البضائع والمواشي! الفرق بينهما كان في السعر. فأسعار البضائع والمواشي معروفة وثابتة، أما العبد فسعره عائم تحدده بنيته البدنية وعضلاته! بهذا تم تدشين أول سوق للنخاسة والرق والاستعباد في تلك البلاد!

بحلول منتصف القرن التاسع عشر بلغ عدد الأفارقة العبيد في الولايات المتحدة 4 ملايين نسمة بين رجل وامرأة، تم تسخيرهم لخدمة البيض الذين تجاوز عددهم 31 مليون نسمة. أما اليوم فيقدر عدد الأميركيين من أصول افريقية بحوالي 40 مليون نسمة، لكن حقوقهم المدنية ما تزال الشغل الشاغل للرأي العام، بسبب استمرار النزعة الفوقية في أوساط فئات معينة في المجتمع الأميركي. وخير دليل على ذلك توجهات الرئيس الأميركي السابق «ترمب» والذي وصل إلى الرئاسة بفضل تأييد تلك الجماعات له.

أما المستعمرات الاخرى في أميركا الجنوبية فكان لها نصيبها أيضاً في جلب العبيد من أفريقيا، كالبرازيل التي كانت مستعمرة برتغالية، والارجنتين وتشيلي وغيرهما من المستعمرات الاسبانية. لكن حصة الأسد من العبيد كانت تتجه لوسط أميركا الشمالية، أي فيما عرف لاحقاً «بالولايات المتحدة الأميركية»، حيث الأراضي الشاسعة الصالحة للزراعة ووفرة المصادر الطبيعية وتنوعها، بعد أن أجهز المستوطنون الأوروبييون (الأميركيون لاحقاً) على بقايا الهنود الحمر سكان البلاد الاصليين!

استمر المستوطن الأبيض في هذا الجزء الحيوي من أميركا الشمالية في استغلال الأيدي العاملة الافريقية وتسخيرها لأهدافه، وسنّ القوانين الممالئة لتسهيل مهمته. فتمكن من بسط سيطرته وادامتها باعتماد نظرية فرق تسد!.. إذ قسم العبيد الى فئتين: فئة تعمل داخل المنازل وفي محيطها القريب، وفئة تعمل في المزارع الشاسعة البعيدة. فحظيت الفئة الاولى بميزات اساسية كالطعام والملابس والعناية الطبية والمأوى المستقر وما إلى ذلك، على عكس بني جلدتهم في البراري الذين عانوا الامرّين، على يد اسيادهم البيض من جهة، وعلى يد أذنابهم من السود من جهة ثانية. مما أفسح المجال للرجل الابيض لفرض كلمته في كل شأن مهما صغر..!

في مرحلة متزامنة مع توسع الاستيطان في اميركا الشمالية نحو الساحل الغربي، كانت الدول الاوروبية البحرية ذاتها مثل بريطانيا واسبانيا وفرنسا والبرتغال وبلجيكا وهولندا وغيرها تخوض معارك تقاسم وتبادل النفوذ في البلاد التي وصلت اليها اساطيلهم البحرية، سواء في جنوب شرق اسيا أو افريقيا أو أميركا الجنوبية أو استراليا، حيث بدأت دعائم الاستعمار المباشر للشعوب الفقيرة في تلك القارات، تترسخ على أرض الممارسة والواقع.

استمرت الهيمنة الغربية بنمطها التقليدي المباشر في تلك القارات الثلاث حتى منتصف الاربعينيات من القرن الماضي، أي نهاية الحرب العالمية الثانية، وتأسيس الامم المتحدة بزعامة الولايات المتحدة، فمنحت بريطانيا الاستقلال (المفخخ) لمستعمراتها السابقة مثل شبه القارة الهندية، التي كانت تشمل الهند والباكستان وبنغلادش ونيبال وبوتان وسيرلانكا وجزر المالديف. وكذلك فعلت فرنسا مع الجزائر وغيرها من مستعمراتها في شمال وغرب أفريقيا في الستينيات.

لكن وبالرغم من انتهاء تلك الحقبة الاستعمارية التقليدية شكلياً، إلا أن الدول الغنية لم تتخلَ عن أهدافها ومكتسباتها. فكما كانت تعتمد على التمييز بين سكان مستعمراتها، وتأليب فئة على اخرى بوسائل الترغيب والترهيب، فان الورثة الجدد لتلك المدرسة السياسية، ما يزالون يصرون على الاستحواذ على معظم خيرات وثروات تلك الشعوب، لكن بطروحات مبتكرة: فحيناً يتذرعون بنشر الديمقراطية، وتارة يدّعون محاربة الارهاب، وأحياناً بحجة الحفاظ على الامن والاستقرار الدوليين.

قد يبدي «الأسد الأبيض» من حين لآخر استعداده لتغيير لونه، لكن سلسلة الأزمات والصراعات الاقليمية المستمرة في عالم اليوم تؤكد أن شهية ذلك الأسد ما فتأت تتجدد!

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress