من الأخبار الصباحية التي لفتت انتباهي قبل أيام أن مواطني أميركا وأوروبا حصلوا في الاسبوعين الماضيين فقط لمكافحة المتحور الجديد أوميكرون على جرعات من اللقاح تعادل ما حصل عليه جميع مواطني القارة الافريقية في عامين كاملين، وتلك في نظري ذروة التمييز الصارخ في توزيع اللقاح عالمياً وحرمان مئات الملايين من البشر من الحق في الصحة، أي حق الحصول على الحد الأدنى من الرعاية الصحية الاساسية لمواجهة الموت اثناء جائحة الكورونا.. باللقاح على الاقل!
لقد شاركتُ في الاسبوع الماضي بندوة دعا لها مركز «الرأي» للدراسات بعنوان «الحق في الصحة » وانصبّ جل حديث المشاركين على الشأن الصحي الداخلي والعدالة او اختلالها أحياناً في توزيع الخدمات الصحية، وبمداخلتي المقتضبة سهوتُ–ولا أغفر لنفسي هذا السهو- ان أتطرق لحق الانسان في الصحة أينما كان، لذلك استفزني النبأ الصباحي المذكور كي أعلق على هذا الظلم العالمي، المعلن بلا خجل، وأتساءل لصالح مَن يبقى؟
لو اقتصر غياب الحق في الصحة على بلد ما فإننا نضع اللوم على حكومته أو فساد نظامه الصحي، اما حين يتبين لنا ان هذا الحق مخترق جهاراً نهاراً حول العالم لحساب دول وشركات بعينها مع حرمان دول اخرى لمجرد انها فقيرة فذلك أكثر خطراً وأشد قسوةً حد التسبب بموت المحرومين من اللقاح، وها هم مواطنو دولة كبيرة مثل نيجيريا (الاولى في افريقيا من حيث عدد السكان) لم يحصل على اللقاح منهم سوى 4% في حين بلغ الحاصلون عليه في الولايات المتحدة وكندا والدول الأوروبية الغنية 80%!
في البداية عندما توصلت شركات كبرى لصنع اللقاحات المضادة للكورونا وقيل ان حكوماتها أَوْلى بشراء الكميات اللازمة لمواطنيها «بلعنا» الحجة على مضض، لكن استمرار الامر حكراً على الدول القادرة على شرائه وطبعاً بالأسعار التي تحددها الشركات فظلم بيِّن، والاحتكار مستمر تربض على قمته شركة فايزر الاميركية (ذات التاريخ الاخلاقي المهني المعروف) وقد مكنها من تحقيق ارباح خيالية بلغت مثلاً في أسبوعين اثنين فقط من ظهور متحور أوميكرون ١٥مليار دولار! والسؤال الأشمل لماذا احتكار الترخيص لبضع شركات بعينها وعندنا في هذا العالم ا?واسع أكثر من مئة وخمسين مؤسسة دوائية قادرة بنفس الكفاءة على صنع اللقاح وبكميات وفيرة تكفي كل سكان الارض وبأسعار زهيدة جداً إن لم يصبح مجاناً للجميع، وهو احتكار بحجة حماية الملكية الفكرية تمسك بخيوطه منظمة التجارة العالمية التي تسيطر على قرارها عادةً اميركا والاتحاد الاوروبي والشركات الكبرى عابرة القارات!
وبعد.. فمن القسوة التي تبلغ حد الإجرام بحق الآخرين ان يبلغ الجشع بأصحاب تلك المصانع الدوائية مدعومةً بنفوذ حكوماتها ومتخطيةً مبادئ الامم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية وشرعة حقوق الانسان الى حد حرمان العالم من تحصين جميع سكانه ضد الكورونا وهو الحل المؤكد علمياً للقضاء على الوباء، بدل تركه يتفاقم بطفرات جديدة طالما بقيت أعداد كبيرة لم تتلق اي جرعة من اللقاح.. بسبب عدم قدرة حكوماتها على شرائه، وَيَا للعار!