كتاب

هل نحن بخير؟

اعتاد أهلنا وبلدنا على تجاوز المنعطفات الحادة والأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بثبات نسبي، وعكس كل التوقعات وفرص النجاح الضئيلة التي كان الجميع يتوقعونها لنا، وذلك بفضل متانة المجتمع والتفافه حول مؤسساته وطواقمها التي نجحت في التعامل مع العواصف بحدود نجاح معقولة جداً.

نجاح هذه المؤسسات يتنافى مع الإلحاح على وصف القطاع والإدارة العامة بالوزن الزائد في اغلب المناسبات، مع الإقرار بتراجع مستوى النخب نتيجة إعادة تدويرها من خلال التوريث والمحافظة على تحالفات المصالح لا الإمكانيات والمؤهلات وعدم فسح المجال أمام الدماء الشابة والتجارب الجديدة.

وكذلك تماسك المجتمع يعكس صورة ايمانه الراسخ بقضاياه المصيرية، وفهمه العميق لمعنى الدولة والمؤسسات، والهوية الوطنية الجامعة التي استطاعت تذويب الهجرات المتلاحقة، والتعايش مع المخاضات السياسية الكثيرة والحروب المرهقة في منطقتنا، من دون تشويه صورة الأردني الجمعية في المخيلة الشعبية ولا تحريفها.

اما استمرار الحنين للماضي، واسترجاع رموزه وأحواله فهي محاولات غير مكتملة لفك رموز الحاضر الذي لا نحسن التعامل معه ولا يناسبنا واقعه، وهو أشبه بالحنين الطفولي لأيام الشباب، وهذا الحنين لا يعفينا من الاشتباك مع الحاضر وكذلك يحرمنا من المراجعات المنطقية للماضي واستنباط الدروس الصحيحة، فالنظر للماضي من دون اخذ ظروفه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصراعات الإقليمية والدولية في الحسبان لا يعود بأي فائدة حقيقية.

وصفي وهزاع ومشهور والكثير غيرهم، كانوا نخباً ولدت من رحم المجتمع الأردني بشكل طبيعي، تدرجوا في مراتب الخدمة والإدارة العامة، كما كان لهم في زمانهم من أيدهم ومن عارضهم، لكن الجميع اجتمعوا على الايمان بالبلاد وأهلها ومؤسساتها.

مشكلتنا اليوم ليست اقتصادية فقط، فقد مررنا بظروف أصعب قاربنا فيها على الإفلاس، والحال اليوم بالأرقام المطلقة لبعض المؤشرات يبدو أفضل مما سبق، هذا لا ينفي شبح المديونية المرتفعة ولا معدلات البطالة المتزايدة، لكن ليس هذا فقط هو أصل المعضلة، كذلك ليس الإصلاح السياسي بصورته القياسية وحكومته البرلمانية هو الحل السحري، فبلادنا قد وجدت منذ زمن صيغتها الخاصة لخلق التوازنات السياسية بين تياراتها ومكوناتها.

أصل العلة يقع في انقطاع النخب عن حواضنها الاجتماعية، وإعادة انتاج جيلها الجديد باستحقاق النسب ومؤهل شهادة الميلاد فقط، الذي خلق غربة ليس بين البرلمان والشارع فقط، ولكن حتى بين مراتب الإدارة العامة المرموقة وبين المؤسسات، كما وثق تحالفات اجتماعية وسياسية تقف في وجه أي تغيير ضروري أو ضخ لدماء جديدة مؤهلة، هذا الذي أدى الى تراجعنا في الكثير من المضامير.

نحن بخير، فما زلنا ننتج نخبا علمية وإدارية وفنية، تحتل أماكن مرموقة في الخارج، كذلك مؤسساتنا وجهاز الإدارة العامة مازال قادراً على التعامل مع التحديات عندما تتاح له حرية الحركة كما حصل بداية أزمة الجائحة قبل أن تقفز النخب لحصد المديح، وكذلك مجتمعنا مازال بخير، فنحن نرفض الظلم لأهلنا في فلسطين ونقف مع كل مظلوم أو محتاج في أركان العالم الأربعة، وهويتنا هضمت تاريخنا وتاريخ بلادنا الطويل في وصف الأردني وقاومت كل الإخفاقات التي أرادت ارجاعنا الى هوياتنا الفرعية، فلن تجد عندنا من يقول إنه نبطي أو عموني، نحن أردنيون كما هي دولتنا ومؤسساتنا اردنية مثلنا وتشبهنا.