الحديث يبدأ بمصر ولا ينتهي بالأردن منذ وفاة طه حسين عميد الأدب العربي في القرن المنصرم بقوله الخالد «التعليم للناس جميعاً.. كالماء والهواء» وإلى أن بدأنا نراه عندنا يتحوّل الى سلعة وتنفجر في وجوهنا مؤخراً انباء مواقع التواصل الاجتماعي و'عين الرأي» بأن رئيس احدى جامعاتنا قد تنازل عن المئة واربعين ألف دينار وهي مكافأته السنوية حصيلةَ «الموازي'!
والموازي لمن لا يعلم هو النظام الذي سمح منذ سنوات عديدة للجامعات الحكومية بقبول الطلبة (الخليجيين بدايةً) الذين لا يحصلون على العلامات الكافية في التوجيهي مقابل دفع رسوم عالية، بحجة تحسين قدرتها المالية لرفع مستوى التعليم ورواتب المدرسين وهو معمول به بطرق مختلفة في جامعات الولايات المتحدة وربما الخليجية، وقامت يومئذ اعتراضات على عدم عدالته واختلط الامر بالاستثناءات والكوتات، وكلها تعدٍّ صريح على مبدأ المساواة في الدستور.
حينما هدر كالرعد صوت طه حسين منادياً بمجانية التعليم، تحدى به حزب الوفد، بعد نجاحه الشعبي الكاسح في انتخابات ١٩٥١، مؤسسةَ الحكم المحافظ وعيّنهُ وزيراً للمعارف رغم اعتراض اعداء التعليم الذين لم يستطيعوا ان يغمزوا من جانبه بانه يساري ذو ميول شيوعية كما فعل أشباههم عندنا يوم حذّر بَعضُنَا منذ عقدين من خطر هيمنة كثير ممن ابتعُثوا (!) الى اميركا للحصول على الدرجات الأكاديمية العليا فعادوا معبّأين بالإعجاب ليس فقط بجوهر التعليم الاميركي وإرثه الاستعماري العنصري بل ايضاً بسياساته المالية والتمويلية المتسقة مع نظام السوق، ما أدى لترويجهم لإنشاء الجامعات الخاصة وفتح الباب على مصراعيه لانتساب الطلبة الأغنياء بعلاماتهم المنخفضة على حساب حصة الفقراء ذوي العلامات الأعلى في التوجيهي ثم بعد حين تجرّأ بعضهم علناً على تسويق برامج القروض البنكية للطلبة لدفع الرسوم الجامعية والسداد بعد التخرج وهي الآفة التي يعرفون ان اكثر من مئة مليون طالب أميركي متورط بها ومازالت الإدارات الاميركية تحاول حتى الآن الخروج بهم من فوائد أقساطها.
لم يكتف هؤلاء وحلفاؤهم من دعاة خصخصة التعليم بذلك بل واصلوا دعوتهم الصريحة والمبطنة لفرض سياسات جديدة تحوّل التعليم الى سلعة لا يحصل عليها إلا من يملك المال لشرائها كي تصل الى جيوبهم بالرواتب والمكافآت والعلاوات او أرباح الأسهم في شركات الجامعات الخاصة، فتفتقت قرائحهم عن «الموازي» وادعوا بانه لن يكون على حساب طلاب الوطن لكننا بعد وقت وجدنا أعداداً كبيرةً من هؤلاء بعد ان حرمتهم نصف او ربع علامة من الحصول على مقعد في جامعة حكومية، يضطر آباؤهم غير المقتدرين من أجل دفع رسوم الموازي ان يبيعوا ممتلكاتهم او اللجوء للبنوك، واذا بالموازي قد خلق فروقاً طبقية لم نألفها في مجال التعليم الذي ينبغي ان توفره الدولة بعدالة، وحين بدأ مؤخراً افتضاح الأرقام المالية الكبيرة التي يتقاضاها أهل الادارة والقيادة وسواهم في هذه الجامعات بدأت حملة اخرى من التنديد بالمنتقدين من مناهضي الخصخصة ووصفهم بانهم يساريون كارهون لتقدم الوطن وأعداء للاستثمار والتحديث والمعاصرة!
وبعد.. المطلوب إلغاءالموازي.