محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

كلماتنا المهاجرة جسورُ تواصل حضاريّ مع اللغات الأخرى

طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
د. حسن الملخ - (أكاديمي وخبير لغويّ من الأردن)

هي كلماتنا العربيّة المهاجرة، مثلنا، تعشق السفر، تسافر باستئذانٍ أو بغير استئذان؛ لأنَّها لا تحتاج إلى تأشيرة دخول، يكفيها أن تحمل في داخلها دلالة تحتاج إليها اللغة الأخرى اختياراً أو اضطراراً، ويمكنها أن تسافر معنا عند سياحتنا في الأرض، مهما كان قصد الزيارة، ومهما كان سبب اللقاء باللغة الأخرى، كما يمكنها أن تسافر عبر صفحات الكتب، أو كلمات الأغاني، أو عند استسلام مترجم لها، لم يسعفه من معجم لغته ما يوازيها في دقة التعبير عن مراده، أو عند تحوّل بعض كلماتها إلى جسور تهدي إلى الكلمة الطيبة بدين عابر للحدود وا?ثقافات، كما عبرت كثير من كلمات الإسلام إلى اللغات الأخرى فوق جسرٍ من الكلمات العربيّة التي استقرّت في اللغات الأخرى كما استقرّ الإسلام بين أهلها.

إنّها الكلمات، معجزة تعبيريّة أظهرَها الله على لساننا، وستبقى إلى ما يشاء من وقتٍ، وإن تغيّرت الألسنة، وتلوّنت الكلمات، وتعدّدت اللغات، لكنها تصبح أوضح تعبيراً عن ظاهرة الإعجاز فيها، كلما تطاول عُمرها في الاستعمال، وامتدّ حرفها في المكان، وزاد المتداولون بها في عَديد الإنسان، ولا سيما إن اقترنت بناموس من نواميس الوجود، وهو الدين؛ لهذا كانت اللغة العربية من أهمّ جسور التواصل اللغويّ في العالم، إن لم تكن أهمّها على الإطلاق، فهي في الصورة التي نستعملها حتى يوم الناس هذا، ابنة ما يقارب الألفين من الأعوام، ولم ?غب إشراقتها منذ أربعة عشر قرناً عن قارات العالم القديم في آسيا وإفريقيا وأوروبا، بل صارت تشرق في العصر الحديث على كلّ بقاع الأرض بعد قرار الأمم المتحدة سنة 1973م باعتمادها لغة عالميّة قادرة على التعبير عن قيم منظمة الأمم المتحدة في السلام، والمحبة، والاعتدال، والتقدّم، والمشاركة في خدمة الإنسانيّة جمعاء، في الحفاظ على الإنسان، وبذل كلّ الجهد ليبقى الناس في مجتمع المعرفة الإيجابيّة التي تبني بموضوعية من غير تمييز، بل بتميّز في العطاء، وعزيمة في البناء، لغدٍ أفضل لنا أجمعين في مائه وسمائه وترابه وهوائه.

إنَّ اللغة العربيّة واحدة من أهمّ ثلاث لغات في تاريخ البشرية، يليق بها وصف «التواصل الحضاريّ"؛ ذلك أنَّ التواصُل الحضاريّ باللغة يحتاج منها، ومن أهلها جسوراً من الانفتاح على اللغات الأخرى والثقافات الأخرى؛ لإقامة حوار ناعمٍ، يلبي الحاجات الإنسانيّة والنفسيّة في المعرفة والحضارة من قاموس الطعام والشراب إلى قاموس العلوم والفنون والآداب مرورا بكلّ القواميس التي يحتاج الناس إلى كلماتها، ويقابل هذا الانفتاح استعداد لمشاركة اللغات الأخرى بكلماتنا الخاصة بنا عندما نُعيرهم خصوصيتنا عبرها؛ لنصبح أكثر تقارباً؛ ولهذا?تقبل اللغة العربيّة في المتداول المستعمل من قاموس الحياة فيها كلمات من اللغات الأخرى، وفي الوقت نفسه لا تمنع كلماتها من السفر إلى اللغات الأخرى، فتمرّ فيها، كما في اللغات الأخرى، ظاهرة الخمول والازدهار في استعمال الكلمات الأصيلة والدخيلة، فقد تستقرّ فيها بعض الكلمات الوافدة من لغات أخرى، وقد ترجع إلى أصلها؛ لأسباب تواصليّة مختلفة، تعود في معظمها إلى ما يسمّى الحاجات التواصليّة، وليس الاصطدامات العسكريّة؛ لأنَّ معجم الكلمات المحاربة من أصغر المعجمات تداولاً بين اللغات؛ فهو لا يُقارن بكلمات الأطعمة والشراب، ?المصطلحات العلميّة، وأسماء الأدوات الحضاريّة، بل لا يُقارن بكلمات الغزل والعواطف الإنسانيّة؛ وقد توصّل نيقولاس أوستلر في كتابه الرائع «إمبراطوريّات الكلمة» إلى أنَّ «اللغة ذات النفوذ عموماً هي أيّ لغة أجنبيّة يتمّ تعلّمها من أجل الفائدة والميزة الثقافيّة»، فتترك آثارها على شكل كلمات في اللغة الأخرى.

قبل خمسين عاماً كان آباؤنا وبعض أجدادنا يستعملون كلمة «تِرينْ» (Train) في التعبير عن القِطار؛ بسبب التواصُل مع اللغة الإنجليزيّة، كما كانوا يستعملون كلمة «أوتومبيل» في التعبير عن السيارة؛ بسبب التواصل مع اللغة الفرنسيّة، لكنَّ الحوار الناعم بين اللغة العربيّة وهاتين الكلمتين أسفر عن تطوير استعمال كلمتين عربيّتين، وهما «القِطار»، و«السيارة»، فتكون مدة استعمال الكلمة الأجنبية تعبيراً عن تواصل حضاريّ مزدهر لصالح اللغة الأخرى، لكن العودة إلى كلمة عربيّة بتوسيع الدلالة يكون دليلاً على صمود اللغة العربية في التو?صل الحضاريّ مع الآخر، وتحوّل الكلمة الأجنبيّة إلى مرحلة خاملة من تاريخ استعمال الكلمة.

إنَّ الكلمات العربيّة في اللغات الأخرى دليل تاريخيّ على الصلة الحضاريّة، فكلمة «مصر» في اللغة الإنجليزية (Egypt) وهو الاسم القديم لمصر العزيزة، الأمر الذي يدلّ على تواصل حضاريّ طويل بعيد قبل الإسلام بين مصر وأوروبا، أو لِنَقُل: بين مصر وإنجلترا. لكنَّ كلمة «مصر» في اللغة الأندونيسيّة Mesir)) كما سمعتها، وهذا يعني أن التواصل الحضاريّ كان بعد استقرار الاسم الجديد، ولعلّه بعد الإسلام، فأسماؤنا في اللغات الأخرى تدلّ على درجة عمق علاقاتنا بالآخرين.

وكلمة «قمر» العربيّة تُنطق (Komar) باللغة الأندونيسية بضمّ القاف، كما تنطقها بعض لهجاتنا حتى الآن، الأمر الذي يدلّ على تواصل حضاريّ تحمله هذه الكلمة إلى اللغة الأندونيسيّة بكلّ معانيها ودلالاتها في الثقافة العربيّة.

وحتى لا نبعد، يكفي أن نستذكر أن كلمة «جَمَل» بتاريخها العابق في الثقافة العربيّة قد سافرت من اللغة العربيّة إلى اللغة الإنجليزيّة باللفظ نفسه ((Camal، وإن بقيت منها نسخة بالعربيّة، كما سافرت كلمة «الكُحل» من معجم الزينة والجمال إليها بالنطق العربيّ (Kohl)، وأما كلمة «قهوة» فهي علامة حضاريّة مسجلة باسم اللغة العربيّة دخلت في كثير من اللغات الأخرى باسم (Coffee) مع شيء من التحوير الصوتي، في دلالة واضحة على تواصل حضاريّ بالكلمة التي تدلّ على المحبة والسلام والسعادة والتفاؤل والطاقة الإيجابية وحلّ النزاعات، ومث?ها كلمة «قُطن» الضاربة في الأصالة العربيّة، والمهاجرة إلى بعض اللغات الأخرى لتدفئ الناس بلباس جميل.

إنَّ كلّ كلمة من كلماتنا المهاجرة في اللغات الأخرى سفيرة تواصل حضاريّ، أدّت دورها في قاموس اللغة الأخرى، لكنّها تنتظر منّا أن ندرس حضورها في اللغات الأخرى؛ لنكتشف أنَّنا حاضرون في حياة الأمم والشعوب بكلماتنا، ومن ورائها عاداتنا وتقاليدنا ومعارفنا، فيجدر بنا وقد صار العالم قرية ثقافية أن نبحث عن كلماتنا المهاجرة في اللغات الأخرى، ونقيم لها معجماً حضاريّاً، يليق بالدور الحضاري الذي قامت به في حياة الشعوب، فلا يكفي أن نجمع الكلمات التي نتداولها بما فيها من الكلمات الوافدة، وننسى كلماتنا المهاجرة التي تحتاج نا?ياً من المعجمات يعيد إليها ذاكرة جسر من التواصل الحميد مع الآخر.

فلكلماتنا المسافرة في كل اللغات الشكر الفائق العاطر على أخذنا إلى الآخرين، ولكلماتنا المهاجرة في شتى الفنون والعلوم والآداب تحية ممتدة من وطنها الأم إلى وطنها الجديد؛ لأنَّنا وإن تعدّدت لغاتنا نعيش في أرض واحدة تحت سماء واحدة، فيها ألوان جميلة من الكلمات، لكنّ أقربها إلى وجداننا العربيّ كلماتنا العربيّة التي ما فقدت في بلاد المهجر جرسها العربيّ، ولا أصلها العربيّ، ولا هويتها العربيّة، فبقيت أصيلة وفية، تذكّر بنا إن انشغلنا عنها، وتفرح إن سألنا عنها، وتفتح ذراعيها لنا إن التقينا بها من جديد، فعليها السلام م? وُلدت فينا وبيننا، وعليها السلام مذ استقرت في مهجرها، وعليها السلام يوم يضمّها من جديد معجم ألفاظ الحضارة العربية الإسلاميّة في اللغات الأجنبيّة.

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress