محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

وفاء

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
رُبا الناصر (كاتبة أردنية)

الساعة ما تزال الخامسة صباحا، ينتظرنا عمل شاق، يتوجب علينا نقل بضاعة من مصنع في الزرقاء والسفر بها عبر الحدود لسوريا، مشوار طويل لكنه ممتع برفقة معلمي أبو رامي المستلقي على الفرشة المجاورة لي، يتكوم بجسده الضخم تحت بطانية صوف تعزله عن ضجيج الأصوات حولنا إلا أنها بمنأى عن عزلنا من صوت شخيره العالي.

أشعلت موقد الرحلات ووضعت إبريق الشاي عليه، متناولا من كيس بلاستيكي رغيفا من خبز الحمام وأقراص من جبنة المثلثات اشتريتها استعدادا لليوم، هممت بإعداد شطائر سريعة ما إن أنهيتها حتى استيقظ أبو رامي، التهمنا إفطارنا خلال دقائق، واتجهنا صوب مستودع المصنع، في أقل من نصف ساعة حُمِّلنا بالبضاعة وتسلمنا الوثائق المطلوبة للشحن بعد التوقيع على وثائق أخرى، تركته يتحدث مع أمين المستودع وذهبت لأتفقد وضعية البضاعة كي لا يقع أحد الصناديق أثناء القيادة.

«يا الله توكلنا عليك يا كريم، هيا يا غالي نبدأ الرحلة».. أدار المحرك وتحركنا، لزمنا الصمت فترة بسيطة قبل أن يبدأ الحديث معي في مواضيع متفرقة لا شيء منها دخلَ وجداني، فهي ثرثرات متفرقة من أجل تمضية الوقت.

وصلنا إلى الاستراحة الأولى، أخذ أبو رامي قيلولة سريعة، في تلك الأثناء تجولت قليلا في الساحة الخارجية للاستراحة على الرغم من برودة الطقس. أشعر بشيء ما يغص صدري ويقبض عليه مجرد أن أتذكر الحال التي أوصلتني إلى العمل بهذه المهنة مجبرا، على الرغم من إنقاذها لي من شبح البطالة، بعد أن غرست فيه لسنوات طويلة عقب تخرجي في الجامعة. أيعقل لشاب جامعي طموح مثلي تخرج بدرجة امتياز ألا ينال أي منحة دراسية لإكمال دراساته العليا، بسبب توسُّط والد أكثر الطلبة فشلا في الدفعة لابنه؟ هذا ضرب من الخيال في نظر أيّ أحد، إلا أنه واقع مرير مررت به وعلي الآن تقبله بكل ما فيه من مساوئ، فاليوم أعمل معاونا لسائق شاحنة، أتأكد من محتوى الوثائق -التي يجهل قراءتها أبو رامي- ومطابقة البيانات للبضاعة المراد نقلها، وأتفحص المحرك وبقية أجزاء الشاحنة للتيقن من أنها جاهزة ولا عيب فيها، لكن يبقى أمل في داخلي أن هذا العمل هو أول الغيث! أبو رامي أو معلمي كما يتوجب عليّ مناداته صاحب شخصية قوية، قليل الكلام، طيب إلى أبعد حد، لكن إن تملكته العصبية لا يملك السيطرة على لسانه السليط، يناديني في كثير من الأحيان بالمعاون المثقف مع رسم ابتسامة تكشف عن أسنانه الصفراء، كأنه يسخر من السنوات الأربع التي قضيتها في مرحلة البكالوريوس! في أحد الأيام وبينما كنت أتشاجر مع موظف في شركة الكهرباء، لفصلها العداد عن شقتنا بعد تراكم الفواتير المستحقة علينا، وقف على بعد أمتار يستمع لصراخي وأنا أرجو من الموظف التعاون معي في السماح بدفعها على أقساط ميسرة لكوني عاطلا عن العمل ومسؤولا عن أمي وإخوتي.

لكزني بإصبعه، طلب مني الهدوء، وبعد أن خرجنا من طابور المراجعين، سألني إن كنت أقبل العمل معه على شاحنته، ومنذ ذلك اليوم وأنا معاون لسائق الشاحنة.

استيقظ أبو رامي من قيلولته ثم واصلنا السفر، وصلنا إلى الوجهة المعنية وأنزلنا البضاعة في مستودعاتهم، قضينا بضعة أيام في دمشق قبل العودة إلى المصنع في الزرقاء، وهناك سمعت من كاتب المستودع أن ثمة تغييرات ستحصل على الإدارة العليا وأن المدير العام سيتغير.

وقفنا في طابور داخل المستوع، نتأمل السجاد الأحمر أمامنا ننتظر مجيئه في صباح حامي الوطيس، أطل علينا من بعيد ببدلته السوداء ذات الماركة العالمية، وحذائه اللامع، ألقى التحية علينا قائلا إنه المدير الجديد، وقف قبالتي متأملا ملامحي وقد عرفني قبل أن أعرفه، ثم صاح عاليا: «سامي! ما أجملها من صدفة أن ألتقيك بعد هذه السنين، ماذا تعمل هنا؟».

ثبتُّ في مكاني مبتلعا الكلام، لم أعرف بما أجيبه، فأجاب أحد السائقين أنني معاون أبو رامي. هز رأسه ثم أنهى الزيارة بعد إلقائه خطبة سريعة على مسامعنا، واعدا بزيادة الرواتب وتحسين التأمين الصحي للموظفين شريطة التعاون مع الإدارة.

تفرق الجميع وبقيت وحدي شارد التفكير، تمنيت لو أن الأرض انشقت وابتلعتني، فلم أتوقع يوما أن أقف أمام أكثر الطلبة فشلا وقد صار مديرا عاما للمصنع! من بعيد لمحت أحد المراسلين يركض مسرعا نحوي، طالبا مني التوجه نحو الإدارة لأمر مستعجل، بعد دقائق قليلة كنت أقف أمامه، فرحب بي بابتسامة عريضة وكلام دافئ، أزاح بعض التوتر والضيق اللذين يطبقان على صدري، عرض علي أن أكون نائبا للمدير براتب مغرٍ، لم آخذ الكثير من الوقت لأقبل.

عملت بجد وتعب معوضا الفترة الماضية وسط إعجاب المدير أو زميل الدراسة الذي صار يقربني من دائرة معارفه أكثر فأكثر حتى صرت الصندوق الأسود لأسراره، متناسيا معه الماضي مقبلا على حاضر يبدو لامعا في مظهره إلا أن طريقه محفوفة بالعديد من التنازلات.

قلّت زياراتي للمستودع واستفساري عن أوضاع زملائي هناك، خاصة أبو رامي، إلا أني من وقت إلى آخر أحدثه عبر الهاتف لإبقاء الود بيننا، وقد شكا لي في آخر مكالمة من تدهور صحته فوعدته بأننا سندرج أسماء الموظفين القدامى ضمن خطة التأمين الصحي قريبا، وسيكون اسمه في القائمة بلا شك.

في صباح أحد الأيام وضعت على مكتبي ورقة فيها أسماء موظفين حسبتها في بادئ الأمر تلك المتعلقة بالتأمين الصحي، لكن بعد قراءة ما فيها تبين أنها أسماء لموظفين سيتم فصلهم لتخفيف الأعباء المادية على الإدارة، مررت على الأسماء سريعا وتوقفت عند اسم أبو رامي.

اللعنة! لن أقوم بالتوقيع عليها مهما كلفني الأمر، فلن أقابل الإحسان بالإساءة. واجهت المدير وعلا صوتانا وتشاجرنا، عدت إلى مكتبي أمسح العرق من جبيني، أمسكت القلم ووضعت رأسه على مكان التوقيع، أغمضت عيني وعضضت على شفتي السفلى وفي قلبي اعتذار لأبو رامي، متمنيا أن يساعده أحد عندما يطلب المساعدة في تسديد فواتيره المتراكمة، كما ساعدني هو.. ثم وقّعت على تلك الورقة اللعينة!

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress