محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

«المدفع» لـ غلام ساعدي.. رواية تستلهم التاريخ

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
رشيد عبد الرحمن النجاب - (كاتب أردني)

صدرت رواية «المدفع» عن دار الربيع في القاهرة عام 2020، ومؤلفها غلام حسين ساعدي طبيب وأديب إيراني من منطقة تبريز، وقد نشط من خلال الحزب الديمقراطي الأذربيجاني ثم حزب تودة الإيراني، وتعرض إزاء ذلك للملاحقة والسجن والتعذيب من قِبل السافاك، وعاش آخر أيامه في باريس وحيدا غريبا، ولكنه ترك إرثا أدبيا غنيا.

أسس محمد خان شاه الأسرة القاجارية في عام 1797 واستمرت حتى عام 1925، وفي العقود الخمسة الأخيرة من عهدها مال الحكام إلى حياة البذخ والإسراف، وتزامن ذلك مع ازدياد أطماع روسيا القيصرية وبريطانيا في اتخاذ مناطق للنفوذ لهما في إيران، ومهدت القروض الكبيرة التي كان الشاه يحصل عليها من هذه الدول جيلا بعد جيل في تفاقم الأوضاع الاقتصادية، فنشأت الثورة الدستورية (1906-1911) وإن تركزت أحداثها في الفترة (1907-1909)، فبعد الموافقة على إعلان الدستور والتوقيع عليه عام 1906 توفي الشاه مظفر الدين، وحاول ابنه محمد علي شاه الت?اجع عن الدستور والاستعانة بالروس وقوات القوزاق لضرب البرلمان، إلا أن المقاومة اشتدت في منطقة تبريز، ثم تقدمت وخلعت الشاه ونفته إلى روسيا، وفي تلك الحقبة الزمنية تدور أحداث هذه الرواية.

تتناول الرواية التي ترجمتها د.شيماء صادق، تفاعل عشائر «الشاهسون» في مرحلة دخول قوات القوزاق إلى المناطق التي يسكنون فيها في سهول مُغان بالقرب من أردبيل في منطقة تبريز، و«الشاهسون» وفقا لإحدى حواشي الرواية، عشائر من أصول متعددة منهم من تبقى من قبائل الغز، وبعضهم هاجر إليها مع المغول، وآخرون ينتمون إلى قبائل الترك الذين هاجروا إليها من آسيا الوسطى، ويتبعون المذهب الشيعي.

كان الملا ميرهاشم أحد رجال الدين الأكثر شهرة بين عشائر الشاهسون في تلك الفترة، وقد حقق مكاسب متعددة، مقابل قيامه ببعض الواجبات الدينية مثل الصلاة على الموتى ودفنهم، وإحياء لقاءات دينية يتلو فيها الأدعية والأناشيد الدينية؟ هوذا يقول للعمدة الذي مر به في إحدى القرى: «والآن، وبعد كل هذا العمر، لدي في كل عشيرة خمسمائة أو ستمائة رأس من الأغنام، وفي عشيرة حاجي خوجالو وحدها أربعة وعشرون راعيا يصطحبون أغنامي هنا وهناك، لا تنظر إلى عباءتي وصدريتي الباليتين يا عمدة، إذا حلت مصيبة بالعشائر سيصيبني البؤس والشقاء».

الملا إذن صاحب ثروة ومصالح لدى العشائر، وقد أبدى قلقه الشديد من تعرض العشائر للسوء، والدافع طبعا الخوف على مكتسباته الشخصية. بهذه الصورة ابتدأ غلام حسين ساعدي توجيه أحداث الرواية بعد أن استعرض أنباء وصول قوات القوزاق إلى ضواحي أردبيل، ومشهد نصبهم المدفعَ العملاق الذي «تكفي قذيفة منه لإبادة عشيرة بأكملها» وفقا لما صرح به العمدة في حواره مع الملا.

إذا تأمّل القارئ صورة هذا اللقاء وما بثته من الرسائل سيدرك مهارة المؤلف في إلقاء هذا القدر من الإنارة على شخص الملا وهيأته في هذه المرحلة المبكرة من السرد، والتي تلازم القارئ كمنارة طيلة فصول الرواية، ففي كل فصل كانت تتحقق رؤية المؤلف لهذه الفئة من الناس، الذين يضعون سلامة أموالهم ومكتسباتهم أمام أي اعتبار آخر، حتى لو كان سلامة الوطن من الغزاة أو سلامة البشر الذين ينتمون لهذه العشائر.

بذل الملا تحقيقا لغاياته جهودا هدفت لمنع المواجهة بين العشائر وفرق القوزاق، خوفا من استخدام القوزاق للمدفع المصاحب لهم، الأمر الذي يعني هلاكا محققا للمواشي بما له فيها من نصيب. حاول الملا مير هاشم تشتيت العشائر وتوجيهها في اتجاهات مختلفة، مع ما في ذلك من إثارة للفتن والفرقة بين العشائر، وانتهت به الحال مرشدا لقوات القوزاق من دون أن ينال مقابل ذلك غير الطعام والإهانات من قائدهم الروسي الذي رأى فيه محض شحاذ جائع. وبذل محاولات لمنع المواجهة أو تأخيرها في سعي ساذج لحماية ثروته الشخصية من الأغنام من خطر الهلاك،?وانتهت هذه المحاولات البائسة اليائسة باكتشاف أمره قبل العشائر من جهة، والقائد الروسي من جهة أخرى، الذي تناوله بالتهديد والوعيد واتخذ قرارا بالتخلص منه لم ينقذه منه سوى وصول قوات عشائر الشاهسون، ولم يكن هذا إنقاذا حقيقيا للملا، وإنما رغبة اجتمعت عليها العشائر بمجازاته على دور الخسّة والخيانة الذي قام به. المدفع رمز القوة والتهديد العسكري للعشائر، والملا رمز الخيانة، كلاهما كانا المطلب الأساس للسماح لقوات القوزاق بالانسحاب، وكان لهم ما أرادوا.

فرض موضوع الرواية وأحداثها، إضافة إلى براعة مؤلفها في تنظيم السرد ومراعاة تسلسله، قدرا كبيرا من التشويق، ولكن لم يتوفر في الترجمة مع الأسف ما يؤهلها لشفافية النقل من لغة إلى لغة، ذلك أن دقة المصطلحات والإلمام باللغة المنقول منها في الترجمة لا يكفيان لترجمة رواية ما، بل يتطلب الأمر خبرة في صياغة هذه المفاهيم بقالب يسهم في توصيلها إلى القارئ بأمانة.

تتميز هذه الرواية بالرغم من خصوصيتها في ما يتعلق بالزمان والمكان، بكونها تتحلى بقدر من المرونة والحيوية التي تجعلها حاضرة في أمكنة وأزمنة مختلفة، ولعل القارئ يستشعر رسالتين واضحتين مررهما المؤلف عبر الرواية تتمثل أولاهما في قضية توحيد الصف لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية على حد سواء، وقضية محاولة القوى إدارة دفة الأمور بما يتفق بل وينحصر في مصلحتها الخاصة، وقد كان الملا مير هاشم مثالا واضحا على هذه الفئة. علما بأن الكثير من رجال الدين قاموا بأدوار مشرفة عبر التاريخ.

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress