محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

مصيدة ساحرة!

طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
سليم ايوب قونة

منذ بدء الخليقة ظل ساكنو هذا الكوكب يتواصلون ويتخاطبون إما مباشرة وجهاً لوجه، وإما عبر الصفير بواسطة الفم أو النفخ بالبوق أو الحمام الزاجل أو سُحب الدخان المتعمدة، حتى كان العاشر من آذار عام 1876 عندما خاطب «الكسندر جراهام بل» بواسطة الهاتف الذي كان يعمل على تطويره في مختبره في بوسطن، مساعده توماس واتسون الذي كان متواجداً في غرفة مجاورة قائلا له: «سيد واتسون، أريدك أن تحضر الآن إلى مختبري"!

حوالي 130 سنة مضت على تلك المكالمة التاريخية، قبل أن يتمكن البشر من التخاطب مباشرة، بواسطة الهاتف، بين أبعد نقطتين عن بعضهما فوق الكرة الأرضية، وفي أي وقت يشاءون.

في الأردن وحتى اواخر السبعينيات من القرن الماضي لم يكن الحصول على هاتف أرضي أمراً ميّسراً لكافة المواطنين، لأن الأمر كان يتطلب اجراءات بيروقراطية طويلة ومعقدة، ولأن الطلب على الخطوط الهاتفية كان أضعاف ما هو متوافر لدى مديرية «المواصلات» التي كان موقعها في المبنى الذي يحتله اليوم مستشفى عمان الجراحي قرب الدوار الثالث!

كانت الأولوية في تركيب الخط الهاتفي تعطى للمؤسسات التجارية والمجتمعية مثل النوادي والجمعيات والمراكز الطبية والشركات ولأصحاب الواسطة بمختلف درجاتها..! وفي بعض أحياء عمان كان المواطنون يستأذنون جيرانهم الحاصلين على خط أرضي في اللجوء لرقم هاتفهم، في حالات الطوارئ، سواء في تبليغ أقربائهم البعيدين بخبر ما، أو بالعكس!

في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي ولتسهيل التواصل بين المواطنين، وخاصة القادمين من خارج المدينة أو زوارها، تم تركيب أكشاك للهاتف عند تقاطع الشوارع مدفوعة الثمن مسبقاً، كما هو الحال في دول اخرى، لكن تلك الأكشاك ما لبثت أن اختفت لأكثر من سبب، ليس آخرها تطور قدرة الجهات الرسمية على توفير خطوط هاتف أرضية، بتكلفة معقولة لمعظم الناس دون تأخير يذكر!

بعد ذلك بدأنا نسمع عن الهاتف المتنقل أو الخلوي الذي اقتصر امتلاكه في البداية على فئات معينة من المجتمع نظراً لارتفاع سعره وقلة عرضه، بما يذكرنا ببدايات ظهور الهاتف الارضي في عمان في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي. لكن انتشار هذا الاختراع وهبوط اسعاره جاءا على وتيرة أسرع بكثير، من مسيرة الهاتف الثابت، حتى بات من شبه المستحيل أن ترى أي مواطن في الطريق، راجلاً أم جالساً، دون أن يكون متسلحاً بهذا الجهاز متعدد الوظائف، لدرجة أن أصبح الهاتف الأرضي من ذكريات الماضي، وأن بعض موديلاته باتت تعامل كقطع تراثية!

يعتبر البعض أن اقتحام الهاتف المتنقل لحياة كل مواطن هو أحد أشكال الرضوخ والاستسلام اللامشروط لهيمنة التكنولوجيا المتطورة على أبسط مظاهر الحياة اليومية في أصقاع الدنيا قاطبة، وفي ذهنهم هؤلاء سؤال كبير حول درجة استعداد المواطن للاستغناء عنه ولو لبضع ساعات في اليوم. فحرص البعض على استعمال هذا الجهاز لا يختلف في جوهره عن حاجة المدخن لسيجارته!

مجمل القول إن هذا الجهاز قد غير الكثير في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين الناس وفي سلوكهم، واتاح لكل مواطن فرصة الحصول على اشياء ومعلومات بسرعة وسهولة لم يعهدها من قبل، سواء كانت المعلومة تتعلق بالانحباس الحراري أو الحصول على وجبة ساخنة خلال دقائق معدودة! كما مكّنه من الاتصال مباشرة وبلمسة اصبع مع أي شخص على وجه هذه الأرض بتكلفة لا تذكر، مما ألغى الحاجة لتبادل الرسائل بواسطة البريد التقليدي وكل الوظائف المرتبطة بتلك الخدمة التي نراقبها اليوم وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة!

ويبقى الهاتف «الذكي» رزمة واحدة، فيها السلبي وفيها الإيجابي، كأبرز مخرجات ثورة الاتصالات التكنولوجية التي بدأت تلّف الكرة الأرضية بخيوطها، تماماً مثل شبكة العنكبوت التي تصطاد الحشرات الضعيفة.

الفرق أن الحشرات تقع بسبب جهلها، أما بنو البشر، فيقبلون عليها بملء إرادتهم وبكامل وعيهم، ومهما اختلفت أهواؤهم وألوانهم وإمكاناتهم!

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress