كتاب

عن فيلم مصري.. غير قديم!

شاهدت مؤخراً فيلما مصريا من انتاج ٢٠٠٨ يتصدى بشكل صريح وبلا مبالغة للتحرش والعنف الجنسي ضد النساء أثناء الازدحام الشديد في وسائط النقل العام التي تستخدمها الغالبية العظمى من الشعب المصري لأنها الاقل كلفة اي انها مشكلة طبقية بامتياز، وهي ليست جديدة كما قد يتبادر لأذهان المشاهدين من غير المصريين فلقد كانت موجودة منذ زمان طويل كما يبدو، اذ عرفت عنها اثناء الدراسة الجامعية في القاهرة أواسط القرن الماضي، وتابعتها تُطرح على استحياء في الصحف المصرية بين الحين والآخر ويعترف بعض محرريها باستحالة علاجها مادام النقل ?لعام على هذه الحالة من الضعف والنقص وعدم الكفاءة حيث يتكدس مئات من الركاب والراكبات في أتوبيس واحد مرخص له بنقل بضع عشرات فقط بين جلوس ووقوف حتى ليفيض عدد منهم ليتعلّقوا بباب الحافلة متأرجحين في الهواء عرضةً لخطر السقوط والاصطدام! وحتى قطارات السكة الحديد لم تسلم من شر هذه الآفة، فالتزاحم على الدخول الى عربات الدرجة الثالثة في بعض المحطات يتم كثيراً بالقفز الى داخلها من خلال النوافذ وليس الأبواب فقط بُغية الوصول الى المقاعد او حتى مجرد الحصول على موطئ قدم، ولا أنسى أبداً تجربة شخصية مضنية في رحلة طلابية ال? أسوان عام ١٩٥١ استغرقت أكثر من خمس عشرة ساعة كنت مضطراً لقضاء بعضها مستلقياً على رف الأمتعة لاستحالة العثور على مقعد او أي مساحة للوقوف! لذلك لم اجد في الفيلم جديداً في ازدحام الاوتوبيسات اللهم الا نماذج قليلة من الشجاعة الفردية المتفرقة التي بدأ بعض النساء يستخدمنها ضد المتحرشين باستعمال اداة حادة تخفيها المتوجسة من الاعتداء عليها في جيبها او محفظتها لتطعن بها المعتدي في منطقة أعضائه الجنسية لوصمه بالعار وامثاله امام زوجاتهم والمجتمع، وتنسل بسرعة خارجةً من الحافلة أثناء فوضى الصراخ والذعر واختلاط ردود ال?عل وبعضها مستهجن حقاً كعبارات التعاطف مع المتحرش لان المسكين(!) مصاب وينزف، أو انه قد يكون وقع تحت اغراء ملابسها الفاضحة ومشاهدو الفيلم يَرَوْن بأعينهم ان الضحية محجبة! اما الامر المستغرب بعد تكرر مثل هذه الحوادث وقد كشف عنه الفيلم بطريقة بارعة فهو ان اهتمام السلطات انصب على اكتشاف «العصابة» النسائية التي تكمن وراء ارتكاب جريمة(!) الطعن، وذلك في ادانة مسبقة للضحايا المعتدى عليهن في دفاعهن المشروع عن كرامتهن، بدل الاهتمام بدراسة مشكلة النقل العام وعلاقته بهذا السلوك الذكوري الشائن.

لا شك ان ظاهرة التحرش والعنف الجنسي ضد النساء اثناء الاكتظاظ لها مثيلات في دول اخرى، ولا نعلم إن كانت تحدث عندنا ولا يجرؤ الباحثون على التصدي لها، وارجو هنا الا يتعجل «الإنكاريون» كعادتهم بالقول ان مجتمعنا عصيٌّ عليها بفضل عاداتنا وتقاليدنا، او يطالبون، وهذا هو الأنكى، بإبقاء النساء في بيوتهن كعلاج وقائي!

وبعد.. هناك أنماط أخرى من التحرش والعنف ضد النساء لا يمكن إنكارها لكن المجتمعات الذكورية تواصل كنسها تحت السجادة!.