كتاب

مهرجان الزيتون الوطني.. مهرجان السائل السحري الأخضر

تشرفت بزيارة معرض مهرجان الزيتون الوطني، حيث شاهدت لوحة فنية أردنية التضاريس، متناسقة الأداء بأبها صورها في التنظيم والترتيب والمحتوى، التي لخصت الإبداع لفترات المئوية الأردنية بأبعاد محكمة، لقصة نجاح على أرض الواقع، جعلت المستحيل يتجسد بزهاء يفوق الوصف، ملموس للجميع، حيث العامل المشترك بين زوار المهرجان والقائمين على تنظيمه والمسوقين لبضائعهم، إبتسامة الرضى والقناعة التي لم تفارق محياهم، عنوانها الشكر والقناعة، تحفة اسطورية مزجت التراث لأبناء هذا الوطن من ماضيه وحاضره، فساهمت بوحدتهم مؤشرا لمستقبل يبعث على الفخر والإطمئنان، وربما جولة سريعة داخل أجنحة المهرجان والتي استغرقت لأكثر من ساعتين، تجعلك فخورا بوجود مثل هذه المهرجانات بهذا التنظيم الرائع داخل حدود الدولة الأردنية، بجهود وطنية، لمست فيها الحرص والدقة والشفافية، التي تترجم معاني الوطنية لواقع معيشي، وبعيدا عن عبارات التنظير التي سئمنا سماعها، بعد أن سقط أصحابها وعرابوها على مذود الحقيقة، فالجهود التي ترجمت هذا العرس الوطني وأدخلت السعادة للمرتادين، تحتاج منا الإعتراف والشكر؛ الإعتراف بهذا التنظيم الرائع الذي بيقيني قد استنزف جهود القائمين على الإعداد والتنفيذ، والشكر المستحق لوزارة الزراعة ووزيرها النشيط المهندس خالد حنيفات، وشكر آخر بنكهة إعتراف على عظمة التخطيط والتنفيذ للمركز الوطني للبحوث الزراعية، برئاسة المدير العام النشيط الدكتور نزار حداد، صاحب الأفكار الإبداعية وكادره المكوكي الجاهز المتحرك، لوجود إجماع وتصميم على هذا النجاح المستحق.

في فضاء هذه الأجواء الشتوية التي تتداخل معطياتها مع نسمات من أحلام المزارعين الذين يبنون خطط حياتهم بصورة موسمية، إعتمادا على تسويق محصولهم برضى رباني، صرفوا لأجله جهدهم ورووه بعرقهم، نجد أن مهرجان الزيتون الوطني الأردني بنسخته المطورة لهذا العام 2021، قد منح درع حماية وبطاقة أمل للطبقة الكادحة التي تنسج ثياب غدها بخيوط الأمل، حيث أضفى المهرجان بفعالياته وأريج محطاته سحرا خاصا على هذا الكرنفال السنوي، بلمسات إضافة جعلت السحر يحاكي الوقع، فرصة تسويقية للمنتجات الريفية التي تحمل بصمات التخزين، أو تظهر فنون الإبداع بمزج المواد الأولية لمنتجات متعددة، فكان المهرجان هذا العام يشتمل على إضافة غير معهودة، وفرصة للمنتجين المحليين لتسويق إنتاجاهم ودعمهم بعد أن حقق الأردن اكتفاء ذاتيا كاملا من الزيتون ومشتقاته، فالتحفة الجمالية والإبداعية والتنظيمية ليست وليدة صدفة، بل أجزم بأنها الإبن الشرعي للدراسة والتحضير والتصميم، وعدم الإعتراف بالمستحيل لأنه سلاح العاجز، فهناك بصمات الاستعداد والمشاركة الواسعة، وفلترة دقيقة للأفكار والتوقعات، فللنجاح أسراره، وأهم أسرار نجاح هذا المهرجان التسويقي، هو التواصل مع الناس، ومعرفة احتياجاتهم ورغباتهم، والسماع لشكواهم، وتذليل العقبات أمامهم للحضور والمشاركة في المهرجان.

مهرجان الزيتون الوطني ليس حدثاً عابراً، وليس مناسبة احتفالية شاغرة من أية مقدار، بل ذات أثر ينقش على بُردى التاريخ، وشاهد على الاختيار السليم للمسار الصحيح في نهضة البلاد، وفي تشييد الأذهان عبر اهتمامها بالزراعة والمنتجات الزراعية التي تشكل العامود الأساس لدرع الصحة الذي يتمناه كل منا، بإعتبارنا بلد زراعي وشجار الزيتون جدار لكل منا، تعطينا الغذاء السليم الذي يمنحنا المناعة والقوة والقدرة على العمل والتأقلم والانتاج، لأن تحدي النهضة الشاملة يحتاج مثل تلك الفعاليات الهائلة، وربما ليست مبررة هذه المخاوف التي يحملها إنذار مشفق من أن تتحول هذه المهرجانات إلى ما يشبه المناسبات الاجتماعية عندما تزدحم بوجوه المهتمين الذين تنوعت مفارزهم هذا العام، فالنخبة قد زارت لظروفها، وكلمة الشكر والعرفان هي العامل المشترك على ألسنة كل من قابلتهم بسبب نفاذ معروضاتهم، واتفقوا جميعا بأن مجرد وجودهم في مقر واحد هو وقع صحي ساعدهم على مزج وتداول خبراتهم.

مهرجان الزيتون الوطني هو إعتراف بشجرة الزيتون المباركه التي تغطي مساحة من أرضنا، ومناسبة متجددة للتعبير عن تراث الاباء والاجداد وعطائهم وعرق جبينهم التي امتزجت بثراه، لأن الزيتون رمز السلام والحب والاحلام الكبيرة، بل لكل غصن سيرة وحكاية تجمع الماضي بالحاضر وتعبر عن عمق المحبة التي تجمعنا بهذه الشجرة المباركة والتي تغطي مساحة من تاريخنا وتراثنا وأرضنا وأحلامنا، فضلا عن اعتماد المعلومات الاحصائية الصحيحة للمنتج وإعتماد مواصفات ومعايير الجودة العالمية بوجود الشركاء للمحافظة على تميز الزيت الأردني بنوعيتة المتفوقة التي رصفت طريق وصوله للأسواق العالمية بشكل منافس باستحقاق.

إن خضوع المنتجات بالمعرض للفحوصات الصحية الدقيقة وخصوصا عبوات زيت الزيتون بفحص مخبري وتذوق حسي دقيق، يمنح المتسوق شهادة الإطمئنان لخلو المنتج من درجات الغش التي يتفنن فيها البعض، ومناسبة فتحت المجال للمشاريع الزراعية المنضمة لحاضنة الابتكار الزراعي للتعريف بقيمتها، إضافة لبُعدٍ وطني في تحقيق أهداف التنمية المستدامة من خلال توفير نافذة تسويقية لصغار المزارعين والأسر الريفية في المحافظات والأطراف.

نحن بحاجة لمثل هذه التطبيقات الإبداعية بمجالات متعددة على مستوى الدولة الأردنية، حتى تلك المتعلقة بالجانب النظري الناظم بحياتنا؛ الجانب السياسي والعمل الحزبي، وأسس الإبداع في العمل الإداري التي تكافىء المجتهد، وحبذا لو تبرع البعض بنقل اسس الوحدة التي شاهدناها في المهرجان بين محافظات الوطن، لملفات حياتية بمفاصل أخرى لأننا نستحق وللحديث بقية.