يعيش حوالي ٤،٨ مليون فلسطيني في الضفة والقطاع من دون انتخابات لأكثر من ١٢ سنة، علمًا أن ثلاثة أرباع الناخبين اليوم لم يكونوا قد بلغوا سن ١٨ عاما في اخر انتخابات رئاسية أو تشريعية، كما يعايشون واقع الاحتلال بشكل يومي، ويخضعون للقانون والمحاكم العسكرية الإسرائيلية، التي تسطير على تفاصيل حياتهم اليومية، كل هذا جعل من وسائل التواصل الاجتماعي المنفذ الوحيد للكثير منهم للتعبير عن أنفسهم ومشاركة قصصهم وقضياهم مع العالم بالصوت والصورة.
فالتغطية الاخبارية المجتمعية التي نشطت في فسلطين خلال الفترة الماضية، استغلت أدوات الانتشار الواسع والفوري التي وفرتها مواقع التواصل لإيصال صوت أهلنا في القدس وحي الشيخ جراح وسلوان وبطن الهوى والضفة الغربية والقطاع، تجاوزت نقاط التفتيش والجدران التي تفتت النسيج الاجتماعي، كما حملت في مخاضتاها عملية خلق سردية فلسطينية تقص حكاية الانسان والأرض والتاريخ، لتعيد ارتباط أبناء الأجيال الشابة في البلاد والمغترب بمحكيات الأجداد وتراثهم.
هذه التغطية قدمت رواية محرجة ومغايرة لرواية تل أبيب التقليدية، فحي الشيخ جراح ليس نزاع على ملكية أراض في القدس، بل هو تهجير تعسفي واستيطان لأرض محتلة حسب قرارات الأمم المتحدة، وفي حرب غزة يقتل الأطفال وتهدم المنازل للتسلية ورفع معنويات الجنود، فمقابل ٩ قتلى إسرائيليين، وقع ١٨٠٠ ضحية فلسطينية إضافة لعشرات المنازل المهدمة قصفا، هـذه الرواية البديلة حملت العالم على التعاطف مع الفلسطينيين وأدت لانتشار انتقاد حكومة تل أبيب في مجتمعات كانت تمثل حواضن تقليدية للتعاطف معها، كالولايات المتحدة وغرب أوروبا.
ولمواجهة ذلك عملت تل أبيب على أعادة تنشيط وحدات الهسبرا التي تعني الايضاح والتفسير في اللغة العبرية، وهذه الوحدات تتبع الى وزارة الخارجية وترتبط بمكتب رئيس الوزراء، تختلط فيها الصفة الرسمية بالأهلية والتطوعية، فهي تتحرك بثقل حكومي كامل الدسم، لكنها تحافظ على شكل الجماعات التطوعية الناشطة في الترويج لوجهة النظر الإسرائيلية وتفسيراتها للأحداث، كما نشطت هذه الوحدة مؤخرًا في العمل على حجب عدد كبير من صفحات الناشطين والمتعاطفين مع القضية الفلسطينية عن طريق ارسال عدد كبير من التبليغات التي تنجح في ٩٠٪ من الأحوال بإزالة ذلك المحتوى او الحد من انتشاره.
إضافة للهسبرا هناك وحدة المراقبة التابعة لوزارة العدل الإسرائيلية التي تراقب المنشورات في الضفة الغربية وتحيلها لبرامج الذكاء الاصطناعي، التي تحدد حسب النشاط الشخصي للأفراد على وسائل التواصل قابليتهم للقيام بأي عمل عنف واعتقالهم مسبٍقا بتهمة التعاطف مع الإرهاب الذي حسب تعريفات تل أبيب تنطوي تحته مجموعات الدعوة للمقاطعة الاقتصادية أو مساعدة أسر الاسرى وشهداء.
قد يكون اعجابك أو مشاركتك لأي منشور فلسطيني كفيل بالزج بك مع ٢٠٠٠ شخص تم اعتقالهم ومحاكمتهم بتهم التعاطف والإرهاب المتوقع حسب خوارزميات الذكاء الصناعي، واضافة لذلك تعمل إسرائيل على إعادة كتابة شروط النشر على وسائل التواصل، ففي عام ٢٠١٦ قدم الفيس بوك تعريفات لمعادة السامية تمتد لتشمل حتى انتقاد الحكومة الإسرائيلية او وصف أعمالها بالمزدوجة المعايير.
الواجب عمله اليوم هو حماية وتقوية الصوت الفلسطيني في هذا الفضاء الالكتروني، من خلال الضغط على تشريعات حرية التعبير وحقوق النشر، وعدم اخضاع أهلنا هناك للقانون الإسرائيلي في الفضاء الالكتروني، حتى لا تنفرد إسرائيل بأذن العالم وعيونه.
Saifalrawashdeh0@gmail.com