محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

وصفي التل.. بطل في الوجدان ونموذج في التطلعات.. هذه قصة الشهيد الحي

بعيداً عن السياسة

طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ

اً ملك يوسف التل

تُشكّل الذكرى الخمسون لاستشهاد رئيس الوزراء الأسبق، وصفي التل، والتي تصادف اليوم، مناسبة يراها الكثيرون مواتية لاستذكار ان الشهيد الذي اغتيل في القاهرة اثناء مشاركته في اجتماع مجلس الدفاع العربي المشترك، كان في مجمل فكره وجهده مشروعا وطنيا لإصلاح منظومة العمل السياسي.

فبالاضافة لكل ما توارثته الأجيال من مناقب الشهيد التي استقرت في الوجدان، نموذجاً للقيادات التنفيذية في الولاية والنزاهة والتفاني في جدية التخطيط والمتابعة، فإن إيمانه بدولة الانتاج التي تتجدد فيها النهضة، يُضْحي اليوم مستحقا في الاستذكار والمراجعة ليضيء على جهود إصلاح المنظومة الإنتاجية التي تعتبر في صلب الاصلاح المتجدد المستدام.

شهادات في شخصية وفكر وصفي التل في شهر آب عام 1920 ولد وصفي، وحمل اسما مركّبا، هو «صالح وصفي»، تيمّنا باسم جده «صالح المصطفى»، مثلما كان أبوه يحمل اسما مركبا هو «مصطفى وهبي» قبل أن يعرف بلقبه الأشهر «عرار».

أغلب أصدقاء وصفي بنوا معه صداقاتهم في مراحل الدراسة الأولى، ما قبل الجامعة، لكن عدداً منهم ظل إلى جانبه بقية حياته، أولئك الذين اشتعلت في نفوسهم المشاعر القومية على السوية نفسها، وشاطروه قيم الصدق والنزاهة والوضوح التي ميزت شخصيته، وبذلك ظلوا يحرسون وجدانه ومشروعه السياسي، حتى وإن اختلف بعضهم معه في التفاصيل.

حمد الفرحان من هؤلاء الأصدقاء المقربين، رافقه في مراحل دراسته كلها وفي المدرسة جلسا معا على المقعد نفسه، حتى إذا تفوق وصفي وحصل على بعثة دراسية إلى الجامعة الأميركية في بيروت، تفوق الفرحان ورافقه في البعثة نفسها. ثم ظل قريباً منه بدرجات متفاوتة عندما كان الفرحان رمزا للفكر الاقتصادي الوطني في خمسينيات القرن العشرين وستينياته، حتى أن وصفي عقد قرانه على سعدية الجابري في بيته عام 1951.

يسجل الفرحان بعض مناقبه العميقة بقوله: وصفي كان طالباً طبيعيا جدا، ليس عدائياً ولا استفزازياً، بل هو دمث غاية الدماثة، شديد الانتباه لما يطرح من موضوعات دراسية، وصاحب مناقبية عالية. وخلال علاقتي الشخصية معه البالغة أربعة عقود، 1931-1971، لم أسجل عليه كذبة واحدة.

نوزت الساطي (أم شاكر)، زوجة الأمير زيد بن شاكر، طالما تساءلت عن الأثر الإيجابي الذي تتركه فيها شخصية أبو مصطفى كمواطنة أردنية من جهة، ومن جهة أخرى كإنسانة تربطها به معرفة شخصية، فهو صديق زوجها المقرب.

تقول ام شاكر: لقد وجدته سياسياً فريداً، حملت شخصيته صورة ابن البلد، وجمعت بين الشعبية وقمة المدنية والتقدم في الأفكار. وتضيف: وصفي يمتلك هالة خاصة تفرض الاحترام على من يراه ويسمعه. وهو يتابع الأفكار الجديدة في الإدارة. من جهة أخرى هو ابن البلد الفلاح البسيط المتواضع المتمسك بهويته. إنه شخصية نادرة لا تتكرر بسهولة. وتؤكد أم شاكر على امتلاكه روح النكتة والتلقائية، ما ترك انطباعا إيجابيا في نفسها. وتقول: كنت وزوجي نحب الجلوس معه، حيث تظهر في جلساته صفات القيادة، وحين يتحدث لا يتحدث برتابة، بل بتلقائية وعفوية، ونشعر أن حديثه نابع من القلب، ومغلف بالصدق، فهو يمتلك شخصية غنية جذابة ذات جوانب كثيرة.

ويصفه رجائي الدجاني، ضابط المخابرات الذي تولى حقيبة وزارة الداخلية عام 1986، بالتواضع والدماثة، ويقول: في الوقت الذي كان فيه ذهاب الشخص لحضور فيلم في السينما يعني رفاهية كبيرة في مجتمع عمان، شاهدته يأتي مع زوجته إلى سينما رغدان في شارع بسمان، نظرت إليه من بعيد باندهاش وهو يقف على شباك التذاكر ينتظر دوره ليشتري تذكرة له ولزوجته، فقلت في نفسي: هذا هو فعلا رجل الدولة، فطالما استهجنت ما قيل عن رئيس وزراء السويد أنه يذهب إلى عمله راكبا الدراجة، وأن زعيما أوروبيا آخر يذهب إلى مقرّ عمله بالباص، وتساءلت: كيف يكون ذلك، وهل من الممكن أن يفعلها رئيس بلد عربي؟ يقول رفيقه في السلاح الفريق الركن عبدالرزاق اليحيى أحد ضباط فوج اليرموك الرابع في جيش الإنقاذ، القائد العام لجيش التحرير الفلسطيني: أبو مصطفى من الأذكياء، بل هو رجل فائق الذكاء. وهو مثقف جاد، ذو اطلاع واسع على الشؤون العسكرية، وما يتصل بالنظام والإدارة والانضباط. وعلى الرغم من حزمه وصلابته في القضايا العامة، إلا أنه تميز بالمرونة في العلاقات الشخصية، فهو ودود مع أصدقائه، يتحدث معهم بعفوية وأريحية. وأجزم أنه صادق فيما يقوله.

منيب رشيد المصري يروي كثيراً من الذكريات التي تحكي عن تقدير الرجل واحترامه لمن يتعاملون معه أثناء العمل العام أو خارج نطاق المسؤولية، يقول: في أيار عام 1971 قلت للرئيس إنني لا أستطيع البقاء وزيرا للأشغال لأسباب خاصة، فحاول إقناعي وتسهيل الأمر عليّ، لكنني اعتذرت.

فاقترح عليه إحدى المرجعيات إجراء تعديل وزاري لأخرج من الحكومة، لكنه اعتذر وقال: إن منيب المصري لا يخرج بتعديل، جاء بإرادته ويخرج بإرادته. وبعد أن قدمت استقالتي جرى تعديل وزاري. ويتابع المصري: لهذا السبب ولأسباب أخرى كثيرة أعرفها عن وصفي جئت من بيروت عندما سمعت بحادث اغتياله، على الرغم من أن كثيرين من المقربين نصحوني بعدم الحضور إلى إربد خوفا من أن يصيبني مكروه، لكنني حضرت ونزلت في ديوان آل التل، وقدمت التعازي وتقبلتها مدة يومين مع آل التل. وأذكر أن الذين نصحوني اعترفوا بعد ذلك أن ما قمت به قليل قياسا بعظمة هذا الرجل، بعد أن عرفوه على حقيقته.

ويستذكر المصري: لم أكن أعرف وصفي ولم أره قبل عام 1962، وكان حينها رئيسا للوزراء، عرفني عليه الدكتور كمال الشاعر الذي عرفته في أميركا وكان يرأس الجمعية العربية حينها، لكنني كنت أعرف شقيقه سعيد في بيروت معرفة جيدة، كما أعرف شقيقه مريود حيث عملنا معا في وزارة الاقتصاد. وأذكر في عام 1956، بعد عودتي من أميركا، أنني كنت أفتش على بيت، فقال لي مريود إن منزل وصفي في صويلح «الكمالية»، لا أحد فيه حاليا، حيث كان وصفي يشغل منصب مستشار في السفارة الأردنية في بون، فعرض عليّ أن أرى البيت، كان الطقس ماطراً وبارداً جداً، وسكنت بيته لمدة ثلاثة أشهر حتى وجدت بيتا واستأجرته. ويضيف المصري: زادت معرفتي بأبي مصطفى، فكثيراً ما كنا نلتقي في الضليل، كنت أملك أرضا قرب مزرعته، ورأيته يعمل بيده مع المزارعين، وقد شعرت بقيمة الأرض عنده حين كنا نتحدث في الزراعة التي أحبها كما أحبّ القدس وفلسطين.

يروي المربي فاروق بدران أن الأمير الحسن بن طلال زار عام 1965 مدينة السلط، وبرفقته وصفي التل والشريف حسين بن ناصر ويحيى الخطيب ومحمد البشير ومروان الحمود.

ويضيف: كنت حينها مديرا لمدرسة السلط، وبعد أن تناول الحاضرون جميعهم طعام الغداء، أمسكت إبريقا لأصب على يدي وصفي، فرفض قائلا: لا والله، مدير مدرسة السلط الثانوية العتيدة يصب الماء، لا والله. فقلت له إنني أفعل ذلك لثلاثة أسباب: الأول أنك ضيفي في مدرستي، والثاني لأنك أكبر مني، والثالث لأن شقيقك صديقي. فقال: ومن صديقك؟ قلت: سعيد. فقال: ولو، شوف واحد غيرك يا مدير مدرسة السلط الثانوية المحترم.

الأرض وحراثوها شكّل حب وصفي للأرض، وشغفه بالزراعة، ومكانتها في فكره ونفسه، تراثا وطنيا في قيم العمل وأدواته. غابات وأحراج أشرف على زراعتها والاعتناء بها بنفسه، إلى درجة أنه أسرّ لزوجته بأمنيته أن يصير مسؤولا مباشرا عن دائرة الحراج.

وتبدو نظرته إلى الزراعة نظرة استراتيجيّة، فهو يرى أن القرار المستقل فيها مسألة سياديّة، ترتبط بمفهوم الأمن الغذائي، بالإضافة إلى الأمن البيئي والاجتماعي.

يروي زرقان أبو حيانة وخشمان أبو كركي، وهما من وجهاء معان، أن وصفي زار المدينة والتقى بوجهائها وخاطبهم قائلا: «وين كوايركم؟ بدي أشوفها»، و(الكوارة) خزانة تستخدم لخزن القمح والحبوب كافة، وبعد أن زار بيوتا عدة وجد أن (الكواير) فارغة تماما، فخاطبهم: لا أريدها بعد الموسم القادم أن تكون فارغة. ثم طلب من المسؤولين السوريين تزويده بالقمح، وعندما وصلت شحنة القمح السوري ووزعت على المزارعين في أنحاء البلاد كلها، فزرعوا الأرض التي لم تغزها القلاع الإسمنتية. ويتابع زرقان أبو حيانة قائلا: أنعم الله علينا، في ذلك العام قمحا وفيرا، وكانت سنة خير وبركة، وكما يقولون «غلال»، فصدرنا القمح من إنتاج محافظة معان إلى السعودية وغيرها من الدول، كما أنتجت المحافظات الأخرى قمحا وفيرا.

ولأن حب الأرض وفلاحتها مغروس في ضميره ظلت الرغبة الأكثر إلحاحا عنده هي أن يتخصّص تخصّصا زراعيا، وقد عبر عن هذه الرغبة بوضوح حين طلب من والده أن يساعده على إكمال دراسته في مدرسة خضوري الزراعية بطولكرم، ليحصل على الشهادة الثانوية في التعليم الزراعي، ثم يتابع تعليمه بدراسة العلوم الزراعية، يقول في إحدى رسائله لأبيه: «والدي العزيز حفظه الله.أقبل أياديك، وبعد، كنت أرسلت لجدي تستشيره في مسألة إرسالي لمدرسة الزراعة بطولكرم، إن هذه الفكرة جيدة جدا، خاصة إذا ما أرسلتني بعد الانتهاء من المدرسة لأكمل الزراعة في مكان آخر، وفي ذلك من الفائدة والتأمين على مستقبلي ما لا يخفاك، فإن أمكنك تأمين هذه الناحية، أي ناحية إرسالي لطولكرم، كان بها، وإن رأيت غير ذلك فالرأي رأيك. والسلام».

على الرغم من أنه تابع دراسته في مجال آخر بعيدا عن المجال الزراعي، إلا أنه طبق العلوم الزراعية على أرض الواقع، في مرحلة متقدمة من مراحل حياته العمرية، عندما أنشأ مزرعة في البادية، في منطقة الحلابات، على أرض ابتاعها من رجل يدعى (الهرفي) من بدو بئر السبع، وقد استدان أبو مصطفى ثمنها من مؤسسة الإقراض الزراعي في صيف عام 1968، و بدأ العمل فيها بحفر بئر ماء، وقبيل الحفر طلب من الحاضرين أن يقرأوا سورة الفاتحة.

أخذ يذهب يوميا للإشراف على العمل؛ ينهض مع بزوغ الشمس، ويقطع مسافة 70 كيلو مترا، فيصل إلى الأرض الساعة السابعة. ظل يعمل على هذا المنوال سنة ونصف السنة، يقضي في هذه الأرض نهاره كله، من الصباح الباكر حتى الغروب، لا يشغله عن ذلك إلا حضور جلسات مجلس الأعيان، أو حدوث أمر آخر ملحّ. وقد سأله سائقه محسن منيزل السرحان حين بدأ العمل فيها: ألم تجد أرضا أفضل من هذه لعمل مزرعة؟ هل ستنتج قهوة؟ فأجابه: لا تنظر إلى الأمر بمقياس كسلكم في مغير السرحان، سوف ترى كيف ستصير بعد سنتين.

تعوّد أبو مصطفى أن يصل إلى الأرض قبل أن يصحو العمال من نومهم، ثم يقف معهم يراقب ويوجه ويشارك في شق القنوات وبناء مساكن للمزارعين، وعند الظهيرة يدعو سائقه محسن ويأكلان معا، فإذا شعر بتحرجه يقول له: هنا نحن أخوان، ثم يسبق محسن إلى غسل الصحون بالتراب. وقد لقيه أحد أصدقائه ذات يوم، وهو عائد من مزرعته معفرا بالتراب، فقال له: لماذا تفعل هذا، أنت رئيس وزراء؟ فأجابه: لا يمكن أن يقتنع هؤلاء الناس أن الأرض هي أساس كل شيء إلا إذا أعطيناهم مثلا واقعيا حيا.

كان الشهيد خلال ترؤّسه جلسات حكوماته المتعاقبة يحرص أن يوجّه وزراء الزراعة إلى الإكثار من غرس الأشجار المثمرة والحرجية، وبذر الجبال ببذور أشجار اللوز والبطم وبعض الأشجار الأخرى، حتى تنمو وتتكاثر، فأوعز إلى القوات المسلحة بزرع الأشجار في المعسكرات ومناطق إقامة الجنود. وهو الذي شدد على غرس الأشجار على جوانب الطرق المؤدية إلى مداخل المدن والطرق الرئيسية، وأكثر الأشجار التي نراها اليوم على جوانب الطرق في عمان غرست في عهده.

ويروي عدنان أبو عودة أن وصفي قال له قبل سفره إلى القاهرة في رحلته الأخيرة: يا عدنان، عندما أعود من القاهرة بإذن الله سأعمل على إصدار تشريع يمنع البناء في الأراضي الواقعة غربي مدينة عمان منعا باتا، فهي أراض زراعية لا تقدر بثمن، وتعطي محصولا زراعيا وفيرا، ولا تمحل ابدا، ولم أكن أدرك لحظتها أن ذلك اللقاء سيكون آخر لقاء لي معه، ولم يعد، وأصبحت تلك الأراضي التي رغب في الحفاظ على جمالها ونقائها وفائدتها غابة من الحجارة والإسمنت.

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress