محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

»طوق اللؤلؤ« لسارة سمور.. واقعية التناول

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
رشيد عبد الرحمن النجاب (كاتب أردني)

قال شاعر النيل حافظ إبراهيم «أنا البحر في أحشائه الدُّرُّ كامنٌ فهل ساءلوا الغوّاص عن صدفاتي».

قفز هذا البيت من بين حنايا الذاكرة وترآى أمام عينيّْ وأنا أقرأ عنوان هذه الرواية (طوق اللؤلؤ)، وقدّرت أن اللؤلؤ يستدعي الغوص، ويحتاج إلى غواص، وبدأت أدرك صحة ما ذهبت إليه الكاتبة سارة سمور مع الصفحات الأولى من الفصل الأول الموسوم «الزلزال»، وتعمّق هذا الإدراك كلما مضيت أبعد في تفاصيل الرواية.

أما الغواص أو الغواصة على وجه الدقة، فهي الكاتبة التي أخرجت تفاصيل هذا الغوص في رواية صدرت عن دار البيروني للنشر والتوزيع (2021). كان غوصا في أعماق النفس البشرية، تجربة أدركت الكاتبة مخاطر الخوض فيها، فاستعانت بصديقة متخصصة في علم النفس وفقا لما صرحت به في حفل توقيع روايتها مؤخرا، وكان هذا توجها سليما ربما ساعدها على الخوض في مجال بعيد عن تخصصها.

أشارت الكاتبة في حفل التوقيع أيضا إلى تجاربها السابقة في الكتابة المسرحية، وقد يدرك القارئ المطلع هذا الأمر من أسلوب الحوار الذي يغلب عليه الطابع المسرحي، ولم أجد في ذلك ما ينقص من قيمة العمل، بل ربما ساهم هذا التوجه في تركيز القارئ، والنأي به عن تفاصيل قد تؤدي به إلى التشتت الفكري، فطبيعة الموضوع المعروض تتطلب تركيزا أعلى من مجرد تتبع أحداث الرواية، وفي هذا السياق فقد خلت الرواية من وصف التفاصيل، لا سيما تلك المتعلقة بالظرف المكاني، إلا في مواقع وحالات محدودة، وجاء الوصف المكاني مقتضبا على هذا النحو: «في ?لمطعم»، «في المكتب»، «في بيت العائلة»، وهكذا.

أما الظرف الزماني، فقد كان أكثر حضورا، كأن تقول: «في الساعة السادسة صباحا»، «في ليلة رأس السنة»، «في اليوم التالي»، لكن العامل الأكثر حسما بالنسبة للظرف الزماني هو ذلك التنقل والتردد بين الحاضر والماضي، فتروي الكاتبة الحدث من منظور الحاضر، ثم تعود لتشير إليه أو لبعض تفاصيله من منظور الماضي، وهي في معظم الحالات تفاصيل جديدة، تمهد للحدث أحيانا بذكر الماضي قبل الحاضر، وتعود في مواقع أخرى لرواية الحدث من منظور الحاضر ثم تذكّر بالماضي كأنها تفسر الأحداث أو تربط بينها، ويبدو أن الطيف الزمني للرواية محدود بشكل عا?، خصوصا ما يتعلق بالأحداث الرئيسة.

هناك عدد محدود من الأشخاص في الرواية، إلا أن محور الأحداث تركّز حول خمس شخصيات؛ هم زملاء العمل في المطعم الذي شكل المشهد الرئيس في الرواية إن جاز التعبير: ريان وأمير (بمهنة نادل)، ثم جورج (المسؤول عن المطعم ولكن ليس صاحبه)، وشمس (موظفة استقبال)، وبحر (الطاهي الوحيد). وهؤلاء تجمعهم إلى جانب صداقتهم سلسلة من الأحداث والمواقف وتظهر من خلال الحوار، طبيعة علاقتهم ببعضهم بعضاً، كما تظهر مؤشرات تدل على نفسياتهم أو مشاكلهم النفسية على نحو أدق. يبدو أن أسماء الشخصيات تحمل دلالات معينة، لم أستطع أن أجزم ما هي هذه ال?لالات، لكن تكون لدي اعتقاد بأن اختيارها من قِبل المؤلفة لم يكن عشوائيا.

تجري أحداث الرواية في زمن محدود نسبيا كما أشرت سابقا، وبإيقاع يميل إلى السرعة ربما تماشيا مع الفئة العمرية للمؤلفة، ومع روح العصر أيضا، ويفاجأ القارىء في نهاية الفصل الأول بما يشبه النهاية، ولكن سرعان ما يكتشف أنه ما يزال بعيدا عنها، فقد بدأ الحديث عن فصل آخر يتعلق بجورج، حيث يبدو للقارئ أنه يزور ساحة الحدث للمرة الثانية. هل هو تكرار ؟! قد يبدو ذلك للقارئ المتعجل الذي يقرأ من فوق سطح الموج، أما من يتتبع السرد متسائلا عن كنه هذا العرض الذي يبدو متكررا، فإنه سيكتشف أن هناك مزيدا من التفاصيل في كل مرة، ولكن من زاوية مختلفة أو منظور مختلف وعلى نحو أكثر دقة، من خلال مشاعر نفسية متباينة، فإذا اقترن هذا بالتردد بين الحاضر والماضي على النحو الذي سبق ذكره، بات القارئ في شوق لمعرفة المزيد من التفاصيل. هذا الشوق الذي ينفي أثر ما قد يبدو على أنه تكرار، يشير إلى سرد مختلف وربما يكون مبتكرا، كما يلقي الضوء على شخصية ارتدت ثوب الجرأة، لا سيما وهي تخوض ا?تجربة الأولى في عالم الرواية.

ليس في نيتي الخوض في تفاصيل الرواية، خصوصا وهي تتخذ هذا الشكل من السرد، فمثل هذا الخوض سيخرج بتلخيص مشوه للرواية وسيكشفها ويفسد متعة القراءة ومحاولة الاستكشاف والفهم.

لكن ربما كان من المفيد إلقاء الضوء على بعض مضامين هذه الرواية، التي تؤشر في مجملها إلى الواقعية في التناول من خلال طرح مواضيع وثيقة الصلة بالحياة اليومية للناس، وبتفاصيل مألوفة في معظمها، وأجواء متصلة بالمجتمع المحلي أو بجزء منه. كما يدور الحوار حول العلاقات الإنسانية بصفاتها واسعة البون بما تحمله من القيم الإيجابية والسلبية، واستعداد الشخص للغرف من أيٍّ من الوعائين، وفقا للمؤثرات المادية والنفسية والفكرية التي يمر بها ومدى صموده للضغوط الخارجية.

تتناول المؤلفة العديد من المشاكل والظواهر الاجتماعية التي يعاني منها المجتمع والتي تتأثر بها الشخوص الرئيسة في الرواية بقدر أو بآخر، فعلى سبيل المثال كان الإدمان على الكحول والمخدرات أحد أهم المشاكل التي تضمنتها الرواية وعكست تأثيرها على أمن الأفراد والعائلات، وعلى تماسك البنية المجتمعية، وبروز مشاكل مثل العنف الأسري، والاغتصاب، وغيرها، ناهيك عن القتل والإيذاء بأشكاله.

أما تناول الخيانة الزوجية، وحتى خيانة الحبيبة، واستعداد الرجل لبيع جسده تماما كما قد تقوم المرأة بذلك، فإنه يحمل إشارة إلى أن الإدانة التقليدية للمرأة بهذا الخصوص، ربما باتت بحاجة للمراجعة، وهذا الطرح أيضا يتميز بالجرأة.

وفي مجتمع متعدد الديانات يبقى الارتباط بين شاب وشابة من ديانتين مختلفتين أمر محفوف بالمعيقات التي تعود في معظمها لتقاليد اجتماعية، ويعجز الكثيرون عن تجاوزها أيّا كان انتماؤهم الفكري ووعيهم الثقافي.

ويتربع الفقر على رأس كل المشاكل ويسير في مقدمتها، ويؤسس لها، وقد تقلّد الفقر هذا الدور منذ القدم، وتوارث الناس العديد من الأقوال في هذا المجال، ومن ذلمك ما قاله عمر بن الخطاب: «لو كان الفقر رجلا لقتلته»، وما قاله أبو ذر الغفاري: «كلما ذهب الفقر إلى مكان قال له الكفر خذني معاك».

أما الفصل الأخير، فكان -خلافا للفصول السابقة- موجها للنظر في المستقبل، إذ التقى الأصدقاء في المطعم مجددا، وارتسمت آفاق المستقبل أحلاما سعيدة حاول جورج أن يشكلها ربما بالتعاون مع ريان، لكن الشمس كانت شديدة السطوع وأبت أن تلقي الظلال على تجارب الماضي، فما كان من الراوية إلا أن استجابت لرغبة بطلتها وتركت الباب مفتوحا بلا نهاية، وكان في هذا الخيار عنصر قوة.

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress