محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

فلسفة الفن ومعضلة الوعي في قصة: (تيتانيك في خورشيد) للكاتب: «منير عتيبة»

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
بقلم: د. وافية حملاوي - الجزائر

لم أجد أفضل من مقولة «أدونيس» لأستفتح بها دراستي، هذه المقولة التّي يُعَرِّف فيها صاحبها «فعل الكتابة»، يقول: (تُعدّ الكتابة ممارسة فكريّة وجماليّة، تتأسّسُ على تلك العلاقة التي تجمع المبدع بماضيه وحاضره، وتصوُّره عن مستقبله، كما تقوم على أسس كثيرة تحدّدُ ماهيتها وتضبطها وتميّزها عمّا سواها، كفعل قائم بذاته يمارسه الإنسان. ومن ضمن هذه الأسس، هو أنّ الكتابة علم لا بالعلوم فحسب، بل بالمجهول كذلك، كما أنّها صناعة روحانيّة وتجسيد بالحروف للصّور الباطنة المتصوّرة في الذّهن، إنّها إنشاء وفعل تأسيس على غير مثال، فهي لامتناهية شكلا ومضمونا، ذلك أنّها تواجه عالما لا متناهيا، عالما دائم التغيّر والتجدّد، ينعدم فيه الثّبات، فكلّ يوم تواجهنا مفهومات جديدة تدفع بنا إلى تبنّي رؤى مغايرة في الكتابة).(أدونيس: الثّابت والمتحوّل (بحثٌ في الاتّباع والإبداع عند العرب- صدمة الحداثة، دار الفكر، لبنان، ص29/31).

لطالما كان الأدب ومازال يسير جنبا إلى جنب مع الإنسان والتّطورات التّي تحدث على جميع مستويات حياته: الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وحتى الثقافية، فأي تغيير يطرأ تجد الأدب (بكل أجناسه) على أهبة الاستعداد من أجل أن يعكس هذا الواقع ويصوّره في أسلوب فنّي جماليّ يرضي رغبة الأديب في البوح وكذا ذائقة القرّاء.

إنّ الأدب عبارة عن نصوص تتقاطع مع الأبعاد الأخلاقيّة في كثير من الأحيان، حيث خرج عن كونه مجرد تعبير عن فردانيّة الإنسان ليعالج قضايا أخرى كثيرة متعلقة بالإنسان ومصيره على هذا الكوكب، وهذا ليس غريبا عن الأدب لأنّ طبيعته وبكل بساطة تستدعي تقاطعه مع حقول معرفية أخرى وعدم الانفصال عنها.

إنّ وقوفنا أمام نصوص الكاتب والروائي والقاصّ، الأستاذ «منير عتيبة»، يجعلنا نشعر أنّنا أمام تجربة إبداعيّة استثنائيّة، بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى، فقد اتّخذ لنفسه نمطا وطقوسا خاصّة في الكتابة، يمكن أن نسمّيها (الكتابة العُتيبية)، وذلك لما تحمله من أفكار وتوجّهات وتقنيّات ميّزت تجربته الأدبيّة عن غيرها من التّجارب.

تعدّ قصّة (تيتانيك في خورشيد) نصّا أدبيّا غير اعتيادي، نصّ مربك وعلى قدر كبير جدّا من المخاتلة والمراوغة، نصّ لا يكشف عن هويّته وذاته من الوهلة الأولى، إنّما يلجأ إلى لعبة الاستفزار والتّرميز والتّشفير في تمريره لأفكاره، إنّه نصّ نُخبوي بامتياز، موجّه إلى قارئ بعينه، وهو القارئ «الضمنيّ» الذّي يمثّل قمّة الهرم فيما ابتدعته «آيزر» من مفاهيم وخطوط إجرائية، فالقارئ لابدّ أن تكون له القدرة على توظيف قدراته وثقافته وخبرته في تحليل النّصوص، سعيا إلى فكّ شفراته وسبر أغواره، وهذا ما يحقّق المتعة للقارئ والمبدع معا.

لقد كانت المعاني في هذه القصّة عصيّة متمردّة، تماما كتمرّد الهدف الذّي يصبو إليه الكاتب، فكلما طاردها القارئ ازدادت تمنّعا وتفلّتا ومشاغَبة، ذلك أنّنا قد اعتدنا على القراءة الخطيّة أمّا مع هذه القصّة فالأمر يختلف كثيرا، فلابدّ أن تتّخذ القراءة شكلا «لولبيّا» حتّى تتمكّن من محاصرة دلالات النصّ والقبض عليها.

لقد تلاعب الكاتب «منير عتيبة» في قصّته هذه، بكل العناصر السرديّة، تلاعبا فنيّا، ليس الغرض منه التعتيم على القرّاء، إنّما من أجل إشراكهم في لعبة السّرد واقتناص المعاني، فلا الزّمن ولا المكان ولا الشّخوص ولا الأحداث تبدو منطقية، فكلّ عنصر قد مسّه شيء من العجائبيّة والسرياليّة، ليتحوّل عالم القصّة إلى مزيج من ثنائيات ضديّة متعدّدة.

كان لابدّ لنا من إيجاد مدخل آمن لهذه القصّة، لأنّ كلّ المداخل قد بدت شائكة ومفخّخة، فكان طرح سؤال واحد فقط كفيلا بجعلنا نضع أولى خطواتنا داخل النصّ، السّؤال كان: (لماذا تمّ استدعاء شخصيّة «جاك» بالذّات؟) هذا السّؤال يفضي إلى سؤال آخر لا يقلّ عنه أهميّة، ويسير في الاتّجاه ذاته، وهو: (لماذا تخيّر «جاك» عن سبق إصرار وترصّد بطل القصّة ليتماهى معه؟) والإجابة عن هذين السؤالين كانت ذاك الخيط النّاظم الذي انتظمت فيه حبات النصّ المنفلتة كلّها.

جميعنا يعرف فيلم تايتانيك وقصّة الحبّ التّي بقيت راسخة في أذهاننا لسنوات طويلة وإلى اليوم وخاصّة النّهاية التّي كانت من أجمل صور التّضحية في سبيل الحبّ. هذا الفيلم الذّي استدعاه «منير عتيبية» في قصّته، استدعاء فنّيا وليس إسقاطيا؛ حيث عمل على إحداث صدمة فكريّة ووجدانيّة، ورجّة قويّة لدى جمهور القرّاء، وذلك من خلال ضرب الفيلم في أكثر نقطة حساسّة وهي «تضحية جاك بنفسه طواعيّة من أجل «روز»، هذه التّضحية التّي كانت مثالا للحبّ والوفاء.

في هذه القصّة انبعث «جاك» من جديد لكن بملامح نفسيّة جديدة مختلفة عن الملامح النّمطية التّي اعتدنا عليها، فـ «جاك» المحبّ لم يعد كذلك، وتضحيته من أجل» روز» كانت أكثر فعل ندم عليه!

كان تصوير تغيّر مشاعر «جاك»، تصويرا عبقرّيا للغاية، فتصوير تهويمات النّفس البشريّة وتجسيدها أمام القرّاء ليس بالأمر الهيّن، فهو يحتاج إلى براعة وتقنيات تؤدّي الغرض المطلوب دون إطالة أو إخلال، وبما يتوافق مع جوهر القصّة التّي تختلف في طبيعتها عن الرّواية، فلا بدّ للكاتب أن يوصل فكرته في أقل عدد ممكن من الأسطر.

دور سينما كثيرة تم فيها عرض فيلم «تيتانيك»، ومع كل عرض كانت مشاعر «جاك» تتدرّج نحو الأسوأ: فمن الرّضى إلى الشكّ إلى الحيرة إلى الإحباط لتنتهي بغضب عارم، لماذا يا ترى؟ يبدو أنّ ضميره النّائم قد بدأ يستفيق ليدرك أنّ التّي ضحّى من أجلها لم تكن تستحقّ، فهو ما يزال شابًّا، طموحا وعبقريًاًّ ومتطّلعا، فلماذا يقدّم حياته فداء لفتاة تافهة لا تملك معشار طموحه وتطلّعه؟ أ ليس من العدل أن تموت هي ويحيا هو.

لم يكن استدعاء الكاتب لشخصية «جاك» عبثيّا، وإنّما كان مدروسا ومخطّطا له بدقّة، فالبطل وجاك وجهان لعملة واحدة، أسهمت ظروف وحيثيّات متشابهة في رسم شخصيتيهما، وهذا ما يفسر ذاك التّماهي العميق بينهما، فكل منهما يشعر أنّه الآخر لكن في جسد مختلف، وما يدعم هذه النّظرة ويقوّيها هو ما حدث في «سينما ليلى في باكوس»، حيث كانت أوّل مرّة يشعر فيها البطل أنّه قد اتّحد مع جاك، لماذا لم يراوده هذا الشّعور في سينما «سان استيفانو» مثلا أو غيرها من دور السّينما، الجواب: هو أنّ كليهما ينحدر من طبقة فقيرة كانت ضحيّة للصّراع الطّبقي، وسينما «ليلى» كانت كفيلة بأن تذكرهما بذلك لأنّها كانت درجة ثالثة مخصصة للفئة المعدمة من المجتمع، المشاعر التي لم تنجح سينما «سان استيفانو» الفاخرة والفخمة في الكشف عنها، فالمظاهر البرّاقة في كثير من الأحيان تنسي الإنسان حقيقته وأصله ومنبته.

ملامح كثيرة اشترك فيها (البطل وجاك)، كانت كفيلة بأن تخلق ذاك التّماهي المطلق بينهما، فكلّ منهما نشأ في بيئة فقيرة معدمة وعانت سطوة وتسلّط الطّبقة الإقطاعية التّي استحوذت على كلّ شيء ولم تُبق لهما سوى الفتات ليقتاتا عليه، ولكن على الرغم من هذا الشّعور بالذلّ والمهانة إلا أنّهما امتلكا شخصية متمرّدة وطموحة ومتطلّعة نحو غد أفضل، فـ"جاك» كان فنّانا عاشقا للرّسم، تمكّن من الحصول على تذكرة للسّفر على متن أكبر وأشهر سفينة في ذلك الوقت، متوجها إلى العالم الجديد من أجل تحقيق حلمه وطموحه، ملامح التمرّد والطّموح نفسها كانت ترسم شخصيّة البطل، ففي صغره عانى التّهميش الذّي عاناه أبناء طبقته في قرية اسمها «خورشيد» تقع ضواحي الإسكندرية وحياته كلها كان يتحكّم فيها أصحاب الطّبقة المهيمنة، حتىّ دار السّينما كانت ملكا «للجزيري» الذّي كان يشاهد الأفلام مع أسرته أولا بعدها يسمح للبقيّة بالمشاهدة، هذا الذّي كان من الأسباب التّي ولدت لدى البطل روح التّمرد والإرادة والتّحدي، فجعلت منه مبدعا وكاتب سيناريو وخالقا لأفلامه، ليتحوّل من تابع إلى متبوع ومن مسيطَر عليه إلى مسيطر.

تعدّ ثنائيّةُ (الجزيري/روز) الوجهَ القبيح للنّظام الإقطاعيّ المسيطر والمستحوذ على كلّ شيء في ظلّ غياب العدالة الاجتماعيّة التيّ حرمت الفقراء الكثير من حقوقهم، و"جاك» قد حُرم الحياة بسبب هذا النّظام المستبدّ الذّي تجسّد في شخص «روز»، فقد حرمته طبقتها من كلّ شيء حتىّ حياته، وهو أكثر ما ندم عليه، لذلك عاد من جديد من أجل أن يغيّر هذه النّهاية، وتكون قصّته عبرة لغيره، فتضحيته من أجل روز في حدّ ذاتها كانت خيانة لطبقته.

لقد وجد «جاك» في بطلنا ما لم يجده في غيره وهو امتلاكه لقلم السّيناريست فضلا عن أنّه ينحدر من طبقة مهمشة تشبه طبقته، فهو الوحيد القادر على تغيير النّهايات وإعادة صياغة أيّ سيناريو يريده، إنّه خالق أفلامه والوحيد الذّي يملك الحقّ في التّصرف فيها كيفما يشاء.

تمضي بنا أحداث القصّة بتدرّج مذهل ووتيرة متسارعة لتصل بنا أخيرا إلى الفكرة الجوهريّة التّي يرمي إليها الكاتب منذ البداية في أجواء مطعمة بأبعاد سرياليّة، أسهمت في تغذية القصّة بعنصريّ الإثارة والتّشويق.

تخلّلت القصّةَ أيضا الكثير من القفزات الزمنيّة والمكانيّة المحملة بشحنات دلاليّة أسهمت في تعميق الفكرة الجوهريّة ودعمها وجعلها أكثر تقبّلا وإقناعا لدى القارئ.

الكاتب والمبدع «منير عتيبة» لا يخفى عليه دون أدنى شكّ الدّور الكبير الذّي يلعبه الفنّ بصفة عامّة في تغذية العقول وتوجيه وصقل الأفكار، وهذه القصّة كانت بمثابة الوعاء الذي ضمنه فلسفته حول الفنّ. فالعمل الفنّي كما يقول: «هربرت ريد» هو (بمعنى من المعاني تحرير للشّخصية، إذ تكون مشاعرنا -بصورة طبيعيّة- مكبوتة مضغوطة. إنّنا نتأمّل عملا فنيّا، فنشعر بشيء من التّنفيس عن مشاعرنا، بل إنّنا لا نشعر بهذا التّنفيس فحسب، ولكنّنا نشعر أيضا بنوع من الإعلاء والعظمة والتّسامي. وهنا، يكمن الاختلاف الأساسي بين الفنّ والإحساس العاطفي. فالإحساس العاطفي تنفيس عن المشاعر، ولكنّه أيضا نوع من الارتياح وارتخاء الوجدان. والفنّ أيضا تنفيس عن المشاعر، لكنّه تنفيس منشّط مثير، فالفنّ هو علم اقتصاد الوجدان، إنّه الوجدان متّخذا شكلا جميلا) (هربرت ريد: معنى الفنّ، ص23)

يدعو الكاتب دعوة صريحة إلى ضرورة إعادة النّظر في منظومة الفنّ بأكملها وخاصّة «السّينما» التّي انحرفت عن وظيفتها–في كثير من الأحيان- وأصبحت تروّج للرّكاكة والبذاءة والانحطاط، راكضة خلف الرّبح السّريع متجاهلة الكمّ الهائل من الأفكار المسمومة التّي تشحن بها العقول كل يوم.

لقد جعل الكاتب بطل قصّته كاتب أفلام سنيمائيّة، سبق وكتب فيلمين، لكن للأسف الشّديد لم يتمكّن من تسويقهما، لأن السّوق تطلب نوعا آخر من الأفلام التّي تعود عليها بالرّبح السّريع والوفير، فيحاول كتابة سيناريو لفيلم آخر، ربّما يحالفه الحظّ في تسويقه، لكنّه في كلّ مرّة كان يمزّق المسودّة خشية رفضه؛ فخلف الكواليس هناك أيد خفيّة تتحكّم في الأفكار الموجّهة للعامّة وتروّج لها، ممارسة نوعا من الهيمنة الفكرية، يمكن أن نطلق عليهم اسم «حرّاس البوّابة»، وهو مصطلح شائع في مجال الإعلام والصّحافة، حيث تدرس كلّ الأفكار والأخبار وتغربل ليتمّ بعد ذلك تصديرها وتسويقها.

وبالتّالي فقد عاد «جاك» من جديد ليحذّر بطل القصّة من خطر كبير محدق به وبقريته «خورشيد»، إنّه الطّوفان الذّي يمكن أن يمحو هذه القرية من الوجود، فلطالما أعاد التّاريخ نفسه، لكن لابدّ للمتأخّر أن يأخذ العبرة من المتقدّم.

وكان هذا السّبب الحقيقي والدّافع القويّ لعودة جاك، فلا يريد أن يلقى غيره المصير ذاته، ويكون ضحيّة لأياد خبيثة تسعى إلى الهيمنة والسّيطرة المطلقين، فأكثر الأسلحة الفتّاكة اليوم أضحت أسلحة ناعمة تضمر أكثر ممّا تبدي، إنّها سيّاسة «دسّ السّم في العسل».

فيما مضى كان للسّينما دور فعّال في نشر الوعي وشحن النّفوس بالقيم والأخلاق، هذه النّقطة بالذّات قد تفنّن الكاتب «منير عتيبة» في التّعبير عنها، وذلك من خلال استدعاء شخصية من أعظم شخصيات التّاريخ الإسلامي: إنّه الصحابيّ والقائد العسكري الملقّب بسيف الله المسلول «خالد بن الوليد» الذّي قاد جيوش المسلمين في حروب الرّدة وفتح العراق والشام، في عهد خليفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبي بكر وعمر-رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما-.

رسم لنا الكاتب بريشته المبدعة صالة سينما الجزيري وهي ممتلئة عن بكرة أبيها، الصالة التّي تستوعب ثلاثين متفرجا فقط كان بداخلها مئات من أهالي خورشيد يتابعون فيلم «خالد بن الوليد»، ضمت هذه الصّالة متفرجّين من أجيال مختلفة، وهي دلالة على أن للفنّ النّبيل والهادف تأثيرا وقدرة على جمع الجماهير رغم تباين أعمارهم وبيئاتهم وتوجّهاتهم. فالفنّ يوحّد ويؤلّف بين أبناء المجتمع ويجمعهم على قلب رجل واحد، فشخصيّة «خالد بن الوليد» تحيل إلى تاريخ الأمّة الإسلاميّة وأمجادها، أيّام كان المسلمون أسيادا لهذا العالم.

ينقطع الفيلم فجأة لتأتي لحظة إظلام في صالة العرض، يعقبها ظهور صورة فتاة منشيّة متمايلة؛ لحظة الإظلام هذه هي تلك السّنوات العجاف العقيمة التّي اهتزّت فيها قيم المجتمع الإسلاميّ، فانحلّت وفسدت الأخلاق، حتّى الذّائقة الفنيّة والأدبيّة تراجعت، وظهور صورة الفتاة المنشيّة المتمايلة ما هو إلاّ إشارة إلى البذاءة والتّدني والانحطاط الذّي مسّ الفنّ وجعله ينحرف عند أداء رسالته السامية.

خلف هذه الصّور العارية اللاّأخلاقية التيّ يتمّ التّرويج لها، يتدفّق طوفان مهول يهدّد خورشيد وكل العالم العربيّ والإسلاميّ، إنّه التميّع والانحدار الذّي سيقضي على أجيال بأكملها، وما كان أمام بطل القصّة إلاّ أن يمنع حدوث هذه الكارثة فعمد إلى لفّ اللّوحة الفنيّة حول جسده بإحكام أملا في النّجاة، لأنّ الفنّ الهادف نجاة وخلاص، فكلّما ازداد الفنّان وعيا كانت أعماله الأقدر على إحداث التغيير، فالفنّ هو قمّة الوعي؛ وهنا يلتقي الكاتب في فلسفته للفنّ مع فلسفة «إميل سيوران»، صاحب المقولة الشهّيرة: (الجهل وطن والوعي منفى). والذّي يرى أنّنا ندرك خبث العالم بفضل «الوعي» وبأنّ الحياة عموما والفنّ خصوصا مبنيّان عليه، فهما ينطلقان في نظرتهما إلى الوعي والفنّ من نقطة واحدة، لكن النّتيجة مختلفة ومتباينة، ففي الوقت الذّي ينحدر فيه «إميل سيوران» بفلسفته إلى مفهومات عبثيّة محضة ترمي إلى أنّ الوعي هو سرّ الشّقاء والكآبة في هذه الحياة، نجد كاتبنا «منير عتيبة» يسمو بها في جوّ أخلاقيّ هادف، ويوجهّها توجيها عقلانيّا مؤكّدا على الرّسالة الواعية والأخلاقية للفن.

في الأخير لم يتبقّ لديّ إلاّ أن أقول إنّ هذه القصّة في حدّ ذاتها رسالة ودعوة إلى التأمّل والتّفكير ومراجعة الذّات وتعرية الحقائق وكشف الألاعيب الخبيثة التّي تحيكها جهات بعينها، إنّها عمل فنيّ متقن وهادف عكست الواقع ورفعت السّتارة عن معضلات كثيرة أصبحت تهدد مجتمعاتنا وقيمنا، وفي هذا السّياق يحضرني قول الكاتبة «نادين غورديمير": (قد لا توجد أيّ طريقة أخرى لفهم الإنسان إلاّ من خلال الفنّ، والفنّان هو حامل تلك الرّسالة، متفاعلا بها مع من يحيطون به، وترسيخها كقيمة يتم توارثها جيلا بعد جيل).

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress