محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

العراق: «أم القرى».. أم «الشهداء»!!

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
كتابة وتصوير: مفلح العدوان

ثمة إيقاع مهيب يتملك النازل إلى تلك القرية عبر تعرج الطريق المؤدي إليها كأنه معراج عكسي نحو الأسفل، حتى الوصول قريباً من بؤر تجمع عيون الماء التي تؤنس بانسيابها عظام الذين قضوا نحبهم قبل نحو أكثر من تسعين سنة في هذا المكان.

هناك على القادم أن يضع نقطة وراء كل اللهاث الذي تكبده للوصول إلى «قرية العراق» غرب الكرك، ويبدأ سطراً جديداً لكتابة رواية سحرية رغم كل واقعيتها، بشخوصها، وأحداثها، وتفاصيلها، في مكان بؤرته هذه القرية المحاصرة بالجبال من ثلاث جهات، بينما نقطة النفاذ الوحيدة لها تؤدي بها إلى ملح البحر الميت غربا!

«العْراق».. قرية قُدّ اسمها من جذر أولي له هو «تار-عين» الذي يعني بالآرامية «مكان الماء»، وما زالت إحدى الينابيع في القرية تحمل ذات الاسم عين «ترعين». كما أنه في أقدم كتابة تاريخية ذكرت فيها القرية كان في خريطة الفسيفساء في مأدبا حيث وردت باسم «ثارياس»، ثم تحول الاسم بعد الفتح الإسلامي إلى «العراق» الذي تشير المعاجم إلى أن معناه: «المكان الكثير الماء والشجر، أو المكان كثير الماء، أو المكان القريب من الشواطئ». وهي دلالات تتطابق مع الواقع الجغرافي للقرية.

المعبد والمطاحن

أما أهل البلدة والسكان في المنطقة فيطلقون على القرية أسماء أخرى مثل «أم الشهداء» لكثرة عدد الشهداء الذين قدمتهم البلدة في الحروب القديمة والحديثة. وأيضا «أم القرى» لكونها من أقدم قرى الأردن التي ما تزال مأهولة بالسكان بشكل مستمر.

ولهذا، يوجد فيها كثير من الخرب القديمة التي تعكس ذلك الحضور البشري فيها عبر الأزمنة وهي: «خربة زبدا، وخربة مشراقة، وخربة صيّاد، وخربة القصير، وخربة أم النُعُر، وخربة صبرا، وخربة البليدة». إضافة إلى المدافن المحفورة في كهوف النقب أعلى وادي شهوان في القرية، وكهوف صياد في الجنوب من العراق.

كما يشهد على عمق تاريخ قرية العراق، موقع المعبد الموجود في منطقة أم السواقي شمال عين القلعة فهو رغم عملية التخريب والتدمير له وللقطع الفسيفسائية فيه إلا أن بقايا المدخل التي هي ثلاثة أعمدة مستطيلة تشير إلى وجود معبد مهم، ربما ما يزال محفورا تحت الأرض ولم يجر اكتشافه بعد.

وقريبا من هذا المعبد, يوجد أيضا موقع المطاحن التي تشكل ثلاثة مبان قديمة شيدت في العصر العثماني، (على القطعة رقم 125 من حوض11 في القرية ومساحة الأرض التي تقع عليها410 امتار وفق سجلات دائرة أراضي الكرك)، وهي مطاحن حبوب كانت تدار بواسطة قوة تدفق الماء الساقط من عين القلعة.

حديث الرحالة

تشير كتب الرحالة والمستشرقين إلى أنه قد مرّ بقرية العْراق الرحالة السويسري «بيركهارت»، ويروي عنها في مذكراته يوم 5آب 1812 قائلا: «غادرنا كثربّا في الصباح الباكر وكانت طريقنا عبر منطقة صخرية جرداء تقطعها عدة أودية، وبعد ساعة وصلنا قرية(العراق)، وهي تشبه كثربا ولها نفس حجمها. وهي مبنية عند قاعدة صخور تقف عمودية، وبعض هذه الصخور تدحرج واستقر بين بيوت القرية. ويزرع أهالي القرية علاوة على القمح، الشعير والزيتون والتين والتبغ. وقد استرحنا في هذه القرية لعدة ساعات قضيناها نتفيأ ظل شجرة خروب ضخمة».

كما كتب عنها الرحالة الألماني «أوبنهايم» في الجزء الثاني من كتابه «مع البدو» ذاكرا بعض التفاصيل عن عشائر قرية العراق، مشيرا إلى أنهم قسمان؛ الأول: وهم المواجدة ويسكنون في القسم العلوي من البلدة. أما القسم الثاني فهم: التيمة والحرازنة والمرابحة: ويسكنون القسم السفلي من البلدة.

كما أحصى «أوبنهايم» في زيارته تلك عدد نفوس كل عشيرة وعدد حملة البنادق منهم.

وفي كتابه «السياسة والتغيير في الكرك» قال «بيتر جوبسر» عن العراق والقرى المجاورة: «كانت هناك في القرن التاسع عشر أربعة مواقع ذات منازل دائمة: بلدة الكرك، وقرى كثربا والعراق وخنزيرة، والقرى الثلاث الآن في أطراف المنطقة ومأهولة بقبائل ذات جذور تاريخية عميقة في الكرك».

وذكرها «خير الدين الزركلي» في كتابه «عامان في عمان» حيث يقول عنها: «العراق: احدى القرى التابعة لناحية كثربا. كان أهل هذه القرية في سنة 1326مالية (هكذا موجودة في النص) أول من تعدى على القوة التركية وقتلوا مدير الناحية والضابط وذبحوا عشرين جنديا، مما حدا بالأتراك أن يستعملوا الشدة معهم حتى أنهم قتلوا منهم ما ينوف على السبعين من أهالي قرية العراق نفسها أكثرهم من فرقة (عشيرة) المواجدة. وفي زمن الحكومة الفيصلية أيضا امتنعوا عن دفع الأموال حتى اضطر زكي بك قائد قوة الكرك أن يسوق عليهم قوة مع مدفع جبلي».

مبنى السراي

مسطور في ذاكرة القرية أنه في عام 1907 قامت السلطات العثمانية ببناء مقر لقواتها في العراق وسمي هذا المبنى «السراي» وكان مكونا من غرفتين كبيرتين، وبعض الغرف الملحقة لإيواء الخيل، إلا أنه هدم حديثا ولم يبق منه أثر، وقد رفّعت البلدة لأهميتها إلى درجة «ناحية»، وكان أول مدير لهذه الناحية هو عارف طهبوب، ونائبه كان الشيخ عطا الله بن مسلم المواجدة.

ويروي كبار القرية أن السراي كان شاهداً على كثير من تاريخ الدم والشهادة في قرية العراق، ويبدأون أحاديثهم عنه بسرد لأول معركة نشبت بين السكان والحامية التركية في «سراي العراق»، وكان سببها تجرؤ جندي تركي على الوقوف على عين ماء أثناء تواجد بعض نساء القرية هناك، فأطلق عليه أحد السكان النار فقتله. فردت القوات العثمانية بإطلاق النار، حيث انتهت المواجهة بمقتل جنديين تركيين ورجلين من أهل القرية.

المذبحة.. شاهد عيان

الذي يزور القرية القديمة ويرى الجماجم والعظام في تلك المغائر، يتعرف أكثر، على أرض الواقع، على حجم الشهداء في قرية العراق، ويتلمس مقدار المذبحة الجماعية التي مورست على أهل القرية إبان نهاية الحكم التركي في البلاد، متسائلا عن السبب في عدم المطالبة الرسمية بتقديم اعتذار من قبل الأتراك عن مثل هذه المجزرة، إضافة إلى وجوب الالتفات إلى رفاتهم الذي بات عرضة للنهش والعبث من قبل الحيوانات المفترسة لأنها في مغائر مفتوحة وغير محمية، لذلك، فإنه من الواجب إقامة صرح من أجل لمّ شتاتها في مدفن جماعي تثبت عليه أسماء كل هؤلاء الشهداء، وهذا أقل ما يمكن تقديمه لهم وذلك بإكرامهم من خلال دفنهم.

ولعل الشهادة التي زودنا بها الباحث خالد المواجدة، التي كان قد سجلها عام 1981 للحاج حمد بن سليمان بن موسى المواجدة وهو أحد المسنين من مواليد عام 1898 وقد حج 27مرة، الأولى عام 1934 وكان أمير ركب حاج الكرك عام 1938 وقد عاصر تلك المجزرة التي ارتكبت بحق أهالي قرية العراق عام 1911 وكان عمره آنذاك 12 عاما.

يذكر الحاج حمد في شهادته أنه عندما اندلعت ثورة الكرك عام 1910 قام سكان القرية بالهجوم على السراي التركي، وقتلوا(65) جنديا، وقتل من السكان(12) شخصا، وكان مع الجنود مترجم عربي اعتقه السكان وما زال من ذريته من يسكنون الكرك حتى الآن.

وبعد «هية» الكرك في صباح 16/1/1911 هاجمت كتيبتان من القوات العثمانية بقيادة البيكباشي وحيد بيك ناحية العراق, فاعتقلت 84 شخصا من أبناء القرية وارتكبت بحقهم مجزرة تقشعر لها الأبدان، يروي بعض تفاصيلها الحاج حمد قائلا: «في مصباح شين(صباح سيء)، برد، الدنيا محلته (باردة جدا), وهالعالم, اللي بعده في بيته, واللي عند حلاله بعده ما نشر, وان(وإذ) الدنيا مطوّقة, يوم طلت الناس وإن الجيش مطوقها من شرق ومن شمال ومن جنوب ومن غرب، وهم جايين (يقصد القوات التركية) ويلقطوا (يلقوا القبض) راعي عندنا، ويربطوه ويطبوا فيه في الخيزرانات (ضربوه ضرباً مبرحاً) قام مشى قدامهم وهوه مكتف (مكتوف اليدين) وهم يضربوا فيه، والجيش بزمّر وبطبل، بسمّوا جية الجيش علينا العُرضي، وهم بصيحوا أمان أمان، بسوّي ألف (يقصد أن عدد القوات التركية حوالي الألف جندي)، ما عاد الناس أنها قدرت تشرد، المهم اللي صار صار،وصلونا من جميع الجهات، طوقونا ويلموا الرجاجيل(القوا القبض على الرجال) ويحطوهم في مضافة رحمة (المرحوم) موسى بن عيسى المواجدة(أبو الحج خليل). أيامها كان عنا خيل ما لها مثيل في الكرك كلها، وكان فيه خير كثير عند الناس ويقوموا (الأتراك) ويلموا الخيل والحلال كله، ويفوتوا على البيوت، ويلموا السمن واللبن والقمح والطحين، ويطلّعوا الفراش والبسط من البيوت, ويحرقوا كل شي ما خلوا شي.

يومها انا قطعة وواعي (يقصد صبياً) لما جمعونا في دار موسى, محمد حطني في حجره (يعني شقيقه محمد حضنه) قام الجيش وكتف الزلم كل اثنين خلف إخلاف (يقصد انه تم تقييد كل رجلين مع بعض ووجوهم الى الخارج) وجا وحيد سود الله وجهه (يقصد البيكباشي وحيد بيك قائد الحملة على بلدة العراق), وشّوه, زلمة متبغل احمر ما بفوت من الباب, ويقوم يرطن (يتحدث باللغة التركية) وما ناس فاهم اشي, اما كان بزبّد وعيونه بتقدح قدح.

وهم بربطوا فينا وصلوا عند اخوي محمد، قام واحد بترجم سأل محمد عني ويش بقرب له، قال هذا اخوي الزغير, قام واحد منهم لحد الحين لا يمكن أنسى خلقته,انحيف, ما تقول انه منهم, قام مسك ايدي وضربني وطلعني برا, وانا اشرد على امي الله يرحمها.

جوا (في داخل المضافة) هي الموجودين فيها بسوي (حوالي) 80 رجل مربطين, (مقيدين) وما ظل ناس غير النسوان كل حملت اعيالها وغرّبت (هربت بأبنائها), وما نفذ من الزلم غير سربة قليلة (مجموعة صغيرة).

قاموا يسوقوا كل زلمتين من مضافة الحج موسى للسرايا، وهناك يفوتوا الزلمتين على العسكر ويتقابلوا عليهم في السنج (مفردها سنجة وهي حربة طويلة تركب في مقدمة البندقية) تبعت البواريد لما ما ظل منهم اللي يخبر.

يوم طلعوا لعنة الله عليهم (يقصد الاتراك) ويلاقيهم مرة بتصيح(تبكي) مدوا فيها وانهم ذابحينها (اطلقوا عليها النار). وقامت الناس تلم الميتين ويدفنوهم في مغارة السّد مع بعضهم.

ما ظل عتالي (على آخرهم) المواجدة ناس غير سربة زلم قليلين, اكثر المواجدة اللي انذبحوا من الهوارين واعيال احمد, وظلت هالناس تنوح وتجوح شهور, وقام المواجدة اللي ظلوا صاروا عيلة واحدة ومراح واحد (يقصد بذلك التضامن وتضميد الجراح), وفيه أكمّن واحد من المواجدة اللي اتجوز مرت اخوه او مرت ابن عمه من اللي انذبحوا ودهم يربوا عيالهم.

المهم مات من المواجدة لحالهم فوق الثمانين لحية وشارب (كناية عن شباب لم يتزوجوا بعد, ورجال متزوجين) وحافظ اساميهم كلهم, سجل عندك, ويذكر في السجل ثمانين شهيدا من عشيرة المواجدة ومعهم أيضا يذكر حمد بن سالم المرابحة ولافي بن شحادة الحرازنة وغريب الخطباء وسعيد الدرارجه الخرشه وخضرا بنت حريثان.

المقتبس

أحداث القتل والتصفية في قرية العراق، كانت في جزء منها، تغطى من قبل جريدة «المقتبس» التي كانت تصدر من دمشق ومحررها «محمد كرد علي», وهي الناطقة باسم الحكومة التركية وتصدر باللغة العربية, وقد ذكرت في العدد 573 الصادر بتاريخ 10/1/1911خبرا عن مقتل أحد رجالات قرية العراق وأخبارا عن هية الكرك على النحو التالي: «قتل مسلم المواجدة وفقد معه أربعة عشر شخصا ولا تزال المصادمات مستمرة وسأوافيكم بنتائجها بالتدريج».

كما تتذكر القرية ثلاثة من أبنائها من استشهدوا في فلسطين أثناء ثورة عام 1936 وهم سليمان بن عقلة بن يوسف المواجدة, وسليم بن سليمان الحرازنة, والعطوي بن سليمان الحرازنة.

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress