السلوك المجتمعي العام لا يصعب تشخيص بعض جوانبه، ولا يتطلب دراسات بحثية متعمقة لتحليل تعاملنا مع البيئة المحيطة، وأثر ممارساتنا الشعبية والرسمية على متطلبات الحداثة، ومواكبة بناء المدن الذكية الزاحفة إلينا قريبا بلا محالة، فالقلة القليلة تتابع كيف سيتغير مشهد التنمية العالمي وأهمية التوازن المطلوب بين رفاهية الناس ودمار الكوكب.
تدرك المؤسسات ما يتوجب عمله لتحقيق مستويات مقبولة لمؤشرات الهدف الثاني عشر من أهداف التنمية المستدامة (ضمان وجود أنماط استهلاك وإنتاج مستدامة)، وننظر لأهمية البصمة المادية لضمان العيش في بيئة صحية بأقل تلوث ممكن، لكننا وللأسف نُجمع على سلوك شاهد للعيان على بشاعة ما نرتكبه يوميا من انتهاكات على مدار الساعة لأبسط قواعد التعامل البيئي السليم على المستويين الشعبي والرسمي.
مع صبيحة كل يوم نبتعد عشرات أضعاف المرات لتلبية نداء كوكبنا الأرضي » إفنائي-نهايتكم»، فإذا كان العالم بحاجة لعدسة تجريبية جديدة لمؤشر التنمية البشرية السنوي فما أحرانا نحن بعدسات مٌركّبَة متعددة القياس منها ما يراقب مؤشر صحة السكان، وأخرى تقيس التعليم ومستوى المعيشة، وعدسات نعتمد على ذكائها لتقيس البصمة المادية للمجتمع بعد أن تضاربت أرقام مقاييسنا، واختلت أهم الأرقام من مختلف مراصدنا التي تفتقر للترابط والتكامل والأهم دقة الإحصائيات وتوحيد البيانات.
البصمة المادية تعني؛ كمية المواد الخام المستخرجة لتلبية متطلبات الاستهلاك النهائية ومن الطبيعي أن يكون لكل كمية مواد خام مستهلكة نفايات متبقية بعد عمليات التصنيع والاستخدام. لقد زادت «البصمة المادية» العالمية بنسبة 70% بين عامي 2000-2017، حيث يتم شراء مليون قارورة بلاستيكية للشرب كل دقيقة، ورمي خمسة تريليونات من الأكياس البلاستيكية التي لا يتكرر استخدامها كل عام (يقدر عدد أغطية أكواب القهوة المنتجة حوالي 1.500.000.000غطاء كوب قهوة (يشكل خط كامل من القشرة الأرضية)، وأكثر من 500.000.000.000 قارورة بلاستيك سع? 500ملم) تلقى على الأرض ونحن شركاء بتلك الممارسات المهلكة.
في الدول العربية، تقدر كمية النفايات التي تم التخلص منها في سنة 2020 بنحو 200 مليون طن. أما محليا فتقدر وزارة البيئة مجمل المخلفات الصلبة بـ٣ ملايين طن سنوياً، حيث يدخل المكبات العامة البالغ عددها 18 مكب رسمي تعمل حاليا من أجل التخلص من النفايات الصلبة (4 من مكبات النفايات المذكورة تعمل في المنطقة الشمالية، 5 في المنطقة الوسطى، و9 في منطقة جنوب الأردن. (المجلس الأردني للأبنية الخضراء 2016).
المدهش والأكثر أهمية أنه لا يوجد في كافة المحافظات مكبات مختصة بالنفايات الإلكترونية التي تشكل ما نسيته 41.75% في مكبات العاصمة (الأعلى بين محافظات المملكة)، تليها محافظة إربد بنسبة 16.65%، وتحتل محافظة الطفيلة النسبة الأقل وتقدر 0.52% من مجموع نفايتها الصلبة. (الإحصاءات العامة 2018 آخر مسح للنفايات الالكترونية).
تعد النفايات الإلكترونية من النفايات الصلبة الأبرز وهي الأخطر والأكثر انتشارا التي لا يجري التخلص منها عالميا بطريقة مسؤولة، ومحليا حدث بلا حرج!!. يُقدّر إنتاج كل شخص بالعالم بحوالي 3 كغم من النفايات الإلكترونية لا يخضع منها لإعادة التدوير إلا 1,7 كغم (2019). لقد أشارت رواية نتائج مسح النفايات الإلكترونية والكهربائية في المنازل، الذي نفذته دائرة الإحصاءات العامة في العام ٢٠١٨، بأن كمية المخلفات هذه الناتجة من المنازل على مستوى المملكة بلغت حوالي ٨.٧٣٥ مليون جهاز، وتشكل ١٣.٤٤٦ طناً سنويا وفي رواية أخرى (تصل?ما بين ١٪ الى ٢٪ من إجمالي النفايات الصلبة المولدة سنوياً في الأردن، أي ما يتراوح بين ٣٠ الى ٦٠ ألف طن سنويا». (أمين عام وزارة البيئة الدكتور محمد الخشاشنة).
الفئات الست للنفايات الإلكترونية والكهربائية حسب تصنيف الأمم المتحدة والمتبع بالأردن يشتمل على؛ معدات تبادل حراري مثل المكيفات 5985، شاشات عرض 110138، مصابيح 7715819، معدات كبيرة كالغسالات 187225، معدات صغيرة (كاميرا، مكنسة كهربائية الخ.) 498866، أجهزة تكنولوجيا معلومات صغيرة كالطابعات والماسحات الضوئية 217155 (دائرة الإحصاء العامة 2018).
'إن كيفية تعرّض الناس لضغوط الكوكب مرتبطة بكيفية عمل المجتمعات، واليوم تضع المجتمعات المنهارة الناس والكوكب في مسار تصادمي». بيدرو كونسيساو/ مدير مكتب تقرير التنمية البشرية التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي).
أصبح لزاما على الجميع المشاركة في تخفيف الضغوط على كرتنا الأرضية بطريقة تمكن جميع الناس من الازدهار في عصر الحداثة والرقمنة، ذلك العصر الذي يتطلب تفكيك الاختلالات الهائلة بين السلوك البشري، وحسن الإدارة الرسمية بيئيا.
علينا توجيه طاقاتنا الإدارية المتكاملة لمواجهة التحديات العالمية التي نعد جزءا لا يتجزأ من منفذي الحلول المرتبطة بها، ومن أبرز الحلول المتعلقة بتحقيق مستوى أفضل لمؤشرات الهدف الثاني عشر من أهداف الألفية المتعلق بالطاقة المتجددة (سبق وأن أشرت للموضوع بمقالة سابقة)، والحد من بصمة المجتمع المادية (خفض استهلاك المواد الأولية لتقليل وحسن إدارة النفايات الصلبة عامة والالكترونية منها بشك خاص) فلا بد من: إعداد استراتيجية وطنية لإدارة النفايات الصلبة عامة والإلكترونية منها بشكل خاص، وتنفيذ الخطط الوطنية وفقا لمسؤوليات كافة الجهات الرسمية مجتمعة بالتعاون مع قطاعات المجتمع.
إطلاق حملات توعوية مكثفة بمختلف الوسائل المسموعة والمقروءة والمكتوبة لرفع مستوى الوعي الثقافي حيال إدارة النفايات، بما في ذلك دور المؤسسات الدينية.
تفعيل أيام العمل التطوعي «ليس ذي المظاهر الاحتفالية» على مدار أشهر السنة كواجب وطني يُنمي الحس بالمسؤولية تجاه القضايا المصيرية المشتركة» كلنا معرضون للهلاك' تبني الجهات الحكومية مبادرة خاصة لفرز النفايات الصلبة، وتكريم الأحياء، والبلدات الرائدة في مجالات فرز النفايات العامة، وحوافز تشجيعية خاصة بفرز النفايات الإلكترونية إذ تشكل الإلكترونيات الاستهلاكية ٤٠٪ من الرصاص الموجود في مكبات النفايات، التي من شأنها أن تسبب في مشكلات صحية متنوعة مثل تلف الدماغ، والتفاعلات التحسسية والسرطان».
إلزام المنازل بفرز النفايات، وفرض غرامات قاسية بحق المخالفين سلوكيا تجاه الإساءة لنظافة الكوكب (قبل تطبيق الحظر الصيني-الصين حتى وقت قريب كانت الوجهة المفضلة للتخلص من النفايات، تحت اسم «تجارة المواد القابلة للتدوير» واستقبلت وحدها نحو 45 % من نفايات العالم البلاستيكية منذ سنة 1992).
ضبط التشتت غير المقبول بمؤشرات الأرقام الإحصائية بين الجهات الحكومية المختصة بشؤون البيئة عامة كدائرة الإحصاء ووزارة البيئة (لما يتعلق بالنفايات الالكترونية) حيث يؤرق ويظلل الفارق الرقمي بين نتائج تلك الجهات متخذ القرار والباحثين على حد سواء، ويزيد ضبابية المشهد المرتكز على الإدارة بالحظ عوضا عن الإدارة بالحقائق.
زيادة نسبة معدل البلاستيك القابل للتدوير إذ إن ارتفاع إنتاج العالم من البلاستيك بمعدل نمو يبلغ 8.4 % سنوياً واستمرار التخلص العشوائي من النفايات البلاستيكية كما هو قائم حالياً، فمن المتوقع أن تكون كمية البلاستيك المتراكم في مكبات النفايات وفي البيئة الطبيعية نحو 12 مليار طن بحلول سنة 2050، وهذا الوزن يزيد على وزن الهرم الأكبر في الجيزة بألفي مرة. تمهدا للاحتذاء بـ 127 دولة قد فرضت إطاراً تنظيمياً يخص الأكياس البلاستيكية، وذلك قبل شهر يونيو (حزيران) 2018. ومن بين هذه الدول، حظرت 27 دولة استهلاك أو إنتاج نوع?أو أكثر من المنتجات البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد.
تشجيع أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة المتعلقة بتدوير النفايات وتقديم الدعم المناسب لهم مثل قطع الأرض المجانية وفقا للتملك طويل الأجل، والإعفاءات الجمركية على المعدات. والاقتداء ببعض البلدان في ممارساتهم الصديقة للبيئة مثل السياسة التي اتبعتها الصين في إطار خطة أطلقت عليها اسم «السيف الوطني» للحد من التلوث وتشجيع التدوير.
خبير التميز والتطوير المؤسسي