محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

«على أنفها... تحملنا الدنيا».. شراكة قصصية

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
عبدالله المتقي (كاتب من المغرب)

"على أنفها.. تحملنا الدنيا» عنوان المجموعة القصصية الصادرة مؤخرا للقاصة جميلة الشريف والقاص فتحي بن معمر، وبالمناسبة، لا يسع المتتبع للمشهد الإبداعي التونسي إلا أن يثمن هذه الشراكة، ويحتفي بهذا الزواج القصصي الأبيض، ومرة أخرى نقول، مرحبا بالمبدعين، ومرحى بشراكتهما القصصية، وإنها على كل حال، منجز سردي قصير لا يقيمه سوى المهووسين بشفافية الحكي وجماليته.

تقع المجموعة في 104 صفحة من القطع المتوسط، وتشتمل على قصص قصيرة تفاوتت عناوينها بين المفردة والجملة، وبين العربية الفصحى والأمازيغية «تث نلربعاء – ضربة الأربعاء، تفدلاس- الطاف »، أما موضوعاتها فتأطرت بين ما هو ذاتي وغيري.

فما موضوعات ومضامين هذه الشراكة القصصية؟ وكيف تم التعبير عن هذه المادة الحكائية لغة وأسلوبا وتركيبا؟ عالم هذه القصص هو عالم الموت، والموت في الحياة هو عالم الفقر والحرمان من كل انتباه واهتمام، هو تشغيل الأطفال، هو الإخفاق والاغتراب الذي يعاني منه الإنسان، ذكرا وأنثى.

وقبل أن ننصت لدبيب هذا المتن القصصي، تجدر الإشارة إلى أن كل القصص تتصدرها مناصصات ثقافية متنوعة، لمجموعة من الأدباء والسياسيين، مثل: واسيني الأعرج، ومحمود درويش، ودوستوفسكي، وهارون هاشم رشيد، وأحمد شوقي، وغيفارا.. وهي مناصات تشير إلى أن جميلة الشريف وفتحي بن معمر لم يأتيا من فراغ، وليسا قاصين مظليين سقطا من عل في أراضي القصة، بل وفدا وفي جبتهما تجربة روائية، وخلفية ثقافية ومرجعية، ومقروءات متنوعة، وتلك هي الكتابة الرفيعة التي لا تخسر الرهان.

وفي السياق نفسه، ثمة إشارة لفعل الكتابة عنوانا للقصة الأولى «وأجهشت بالكتابة»، وثمة نص بعنوان «والقلم..» يحتفي من خلاله السارد بالقلم والكتابة، والدافع لكل هذا وعيٌ حاد بخفايا الكتابة.

في أولى قصص المجموعة: «وأجهشت بالكتابة» لجميلة الشريف، تحضر سكرات الموت عند الأب: «أجهد نفسه ليبتسم، ليسلّم، ليشاكس زوجي، ليلفّني بحنانه، لكنه انهزم، واكتفى بتحريك شفتيه» (ص19). سكرات انتهت بأنفاسه الأخيرة، حيث لا سبيل لصده وإغلاق الباب في وجهه حين يصل موعده.

هكذا هو الموت، هذا الكائن المارد، تخوضه القاصة كتابة وقلقا لا خوفا منه، ولحظة قصصية مأساوية لأنه موت ليس يشبه موت أحد: «ووجدتني داخل السيارة أخفيه عندي، أخبئه عن عيون الموت وأتوسل إلى زوجي أن يرفع سرعة الحديد، لكن هيهات» (ص19)، ولا شيء سوى انصراف كينونة الأب نحو النهاية، وتلك سنّة البشر في الوجود.

في قصته «موت افتراضي» يرصد فتحي بن معمر ظاهرة المحمول التي غزت مشارق الأرض ومغاربها، وأصبحت أفيونها الجديد، لنقرأ: «ظل يراقب الناس يجلسون مجموعات ويتواصلون فرادى، لا تكاد تسمع لهم حسيسا، يعكف كل منهم على آلة عجيبة بين يديه تعالجها أصابعه بحركات سرية»، إلا أنّ الاستخدام المفرط للهواتف الذكية يؤدي في القصة إلى مشاكل في العلاقات الزوجية، كتحويلها إلى ما يشبه الجثة وبرودة الدهاليز: «وهو يؤوب إلى كل ليلة إلى فراشه البارد المفتقر إلى دفء المشاعر ولهيب الأنفاس، يتذكر المعركة التي نشبت بينهما بسبب الهاتف اللعين»، ?هذا من شأنه التقليل من الثقة بين الأزواج والشعور بالإهمال مما يؤدي إلى قلة التواصل وانغلاق العلاقة الزوجية.

وبما أن القاصين يعيشان مرحلتهما التاريخية ويسترقان السمع لتناقضاتها ورحاها التي تدور فوق العباد والبلاد، نقرأ لجميلة في قصتها «عفوا خذلتني الحاويات»، وليكن رصدا لرجل كادح ومهمش مهنته النبش في قمامات الأزبال التي تؤمن له وجبته الصباحية: «فغادر كوخه كعادته واتجه إلى القمامة، تعوّد على تناول فطوره الصباحي وجبة مكتملة دسمة» (ص58)، وتنبش القاصة في رماد المرحلة لينتكس الرجل بعد ذلك. وللاقتراب عن كثب من جوع الرجل نقرأ: «يذبحه الجوع من قفاه ويمزق بطنه تمزيقا» (ص 58).

وفي قصته «سفر أيوب» يبرز دوران الرحى نفسه، ويحضر الموت بكل أثقاله على صدر طفل بريء في عمر الزهور أمام أعين الأم والأب اللذين يعانيان من ضيق اليد: «ارتفعت حرارة الطفل، المرتب زهيد، والسلفة قد تسلمها يوم أمس، ونفقت كحمار أجرب في لحظات» (ص22)، ويختار الطفل الموت الذي يصفعه الأب في منظر مؤثر مجسدا تحديه ومنتصرا للحياة: «ربت على كتف الصبي وقبّل رأسه ثم أخرج قلادة ووضعها في رقبته قائلا: عيدك عيده، هذه قلادة اشتريتها لعيد ميلاده الأخير» (ص26).

وفي جميع الأحوال، هناك انحياز القاصين إبداعيا وإنسانيا لمهمشي هذا الوطن الذين يكابدون من أوضاع ملغومة يتحكم في خيوطها الراكبون صهوة الاستغلال واستنزاف الخيرات من دون حسيب أو رقيب.

وبخصوص الأمكنة داخل هذا المسرود القصصي التشاركي، ثمة أمكنة متعددة ومتنوعة، ثابتة ومتحركة، ويكفي أن نمثل لها بـ: «القرية، الحوش، سيارة الأجرة، المعهد، المبيت، الحافلة، مكتب المدير، صهوة، المقبرة، الحاويات»، وهي إما أمكنة حميمة (الكنتينة)، أو منسكنة بالقلق والحيرة (سيارة الأجرة، المشفى).

والملاحظ أن التراكيب في «على أنفها... تحملنا الدنيا » تميل إلى البساطة العميقة في مجملها، مساهمة في سرد الأحداث وتحقيق التداول عن طريق إثارة انتباه القارئ، لكن هذه التراكيب قد تجنح إلى التداخل حين تتساوق مع حالات التوتر والتأزم، فتتزاحم العبارات داخل نفسيات الشخوص، وتتسارع لتطفو على السطح معبرة عن حالات نفسية متشابكة، كما في قصتي «وأجهشت بالبكاء» و"سفر أيوب» نقرأ: «خذلني هذه المرة، ذبحني من الوريد إلى الوريد، احترق خذي بدمع ساخن طفر من عينيه الساخنتين»، ونقرأ أيضا:» انحنى، قبل رأس أيوب، وبكى، وسرعان ما سرت?عدوى البكاء في القسم، فنشج الجميع». إنها الرغبة المتأججة للتعبير عما يجول في نفسيات الشخوص من تمزقات واشتباكات.

وينهض التعدد اللغوي في المجموعة بامتصاص نصوص دينية وأدبية، تستضيفها أبعاد المحكي التخييلي، متجازوة الترصيع والتزويق في اتجاه إيقاع دال، ويمكن التمثيل لهذه الاستضافات بالخطاب الديني الذي جاء وفق مستويين، الأول يحافظ على النصوص في صيغتها الأصلية: «هيت لك»، «كلما نضجت جلودهم أمهلناهم».

أما المستوى الثاني، ففيه يحدث الانزياح والحوار مع النصوص الدينية، ونمثل لذلك بما يلي: «وفيها بعثت وإليها أحشر مرة أخرى كما تحشرون».

وعطفا على ما سبق، نكون أمام كتابة تستجيب للجديد والمغايرة وفق لعبة تداخل تعتمد النسخ ثم الحوار الذي ينتج فعل السخرية موقفا واختيارا.

وفي أفق ترصيع قصص «على أنفها.. تحملنا الدنيا »، يعمد المحكي القصصي إلى استضافة النصوص الشعرية الغنائية كتحفيز سردي، نقرأ في قصة «تفدلاس–الخطاف» مطلع الأهزوجة الأمازيغية التالية: «من كان في قلبه خطاب... إلى عشه سيعود ويأتي».

ومجمل القول، تنتصر مجموعة «على أنفها.. تحملنا الدنيا» للإنسان، من خلال استقرائها لحاله وأحواله بين أحضان مجتمع يعاني من كثير من المفارقات والأعطاب، ومن ثمة، لفت الانتباه لما يعانيه هذا الإنسان من قهر ومعاناة وتمزقات، والمراهنة على ما لفعل الكتابة من دور في إسقاط أقنعة الواقع ولو بشراكة قصصية.

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress