محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

عمارة ابراهيم وقصيدة: «ظِلٌ ليسَ لي» من ديوان: «ثرثرة لن تفضي إلى موت»

قصيدة المعنى الجديدة

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
حاتم عبدالهادى السيد

... ويجي مشهد الحديقة المثمرة عبر مشاهداته، وشوفه هو كذلك، فهو - طوال الوقت - يرسم من بعيد عبر التأمل، صوراً لظلال المعاني، لا المعاني الحقيقية وكأنها مرآة تعكس اللاحقيقة واللابرهان واللايقين الروحي لتكتمل دائرة الذات والمعنى، وتلازمات الظل واستتباعاته المتوالية. كما يعبر الجسر، ويُسقط المعاني الثواني من المخيال على الواقع: «المدينة الفاجرة» - والتي تطاول مدينة: أحمد عبدالمعطي حجازي، أدونيس، ومحمد ابراهيم أبو سنة وغيرهم، فهو ينتقل من الخيال إلى الواقع، وكأنه يندلق من قمة هرم إلى الجرف، ينتقد مشهدية الجوعى وحقد الطبقية، بين النبلاء والفقراء الذين يشتكون – في القصيدة – وكأن هؤلاء يحاسبونهم حتى على الأنفاس التي يلتقطونها من نُثيرات الثمر المسموم الذي بلا طعم، وثمر ملعون كالحنظل والزًّقزم يتقوتون به الحياة رغم كراهة وضجيج وأحقاد النبلاء الذين يتأففون منهم، ويناصبونهم العداء، وربما ينقلنا «تماثل التأويل» هنا إلى ديوان «العباسة» للشاعر/ محمود حسن عبدالتواب، حيث جعفر البرمكي وهارون الرشيد الذي استكثر حب العباسة لهذا البرمكي الذي تحت امرته فحكم عليه بأن يتزوجها ولا يقربها، ويراها ولا يلمسها، وكأن هؤلاء النبلاء يستكثرون الثمار والحب على الفقراء، أو من هم تحت إمرتهم وسطوتهم كذلك.

كما يحيلنا الشاعر السامق / عمارة ابراهيم إلى الظلم الإنساني الرهيب من قبل هؤلاء المتغطرسين الذين وسمهم بالنبلاء، فهم يخافون الفقراء، لا لشيء سوى أنهم كتبوا واشتكوا آلامهم وحالتهم الاحتماعية عبر القصيدة البائسة التي تناظر المدينة الفاجرة أيضاً، وهذا من شأنه أن يهدد عروشهم. وهذه المدلولات السياسية عبر التأويل وتمثلاته، هي «المعنى المُتَضَمَّن» أو قصيدة المعنى التي تختفي وراء المعاني الثواني، وظلال الظلال الممتدة واللامتناهية، يقول:

ورأيتها في حديقة الثمر

يتدلى قطفه المنتفخ

من دون طعم

في بطون الناس

يلملمون سموم أحقاد النبلاء

لأن اشتكينا آلامنا

التي حطت على

قصيدتنا البائسة.

ثم يعود الشاعر يناجي ظله من جديد عبر «المعنى التدويري» الذي ينتضم هارموني القصيدة - طوال الوقت – ويحافظ على ايقاعها الداخلي، فالمعني هنا هو البطل الذي يحفظ للقصيدة بنائيتها،ولا تراتبيتها التي نتأولها خلف ظلال المعنى، فهو يعود من مشهديات الصور ليدخلنا إلى حالة اليقظة والصحو في القصيدة، يخاطب الظل، ليعبرا معاً كل اشكالات الظلم المجتمعي، والطبقية، وعدم وجود عدل في اقتسام الثمار، والحقد الطبقي في المدينة الفاجرة، وعبر القصيدة البائسة يقف مع ظله، يقص عليه حكايته، وذاتية المُرجفة، ويظل يخاطبه – ويخاطب القارىء – لتنتقل «أيديولوجيا القصيدة من رسم المشهد عبر الصورة والظلال والحقيقة والخيال، ليدخل في اللوحة، ويعبر إلى الذات والواقع عبر المعاني التي برفدها للبراح والترحال والغياب والغربة، فيبدأ في البوح والحكي: «هل قصصت عليك يا أيها الظل نبأ الريح الكامنة، أو نبأ هؤلاء الجوعي المتأففين، المنتظرين فرصة مناسبة لثورة مُنتظرة، أيديولوجية، وكأنه عبر الصورة السوريالية يقرأ لنا مشاهد مقتطعة من الواقع عبر الوطن، يقول:

وأنت أيها الظل

لا تقف عند دليل يقظتك

تقايض نور عتمتك

بآلام

تدنو منك

حد الفجيعة

.........

وقت احتياجي

لبراح من دائرة الترحال

عند حدود محطاتي

الراجفة.

يا أيها الظل

هل قصصت عليك نبأ

من أيقنوا

أن لهم ريحا

تصحو، وتغفو

وربما هبت غدا، أو بعد غد

في أساطير الحكائين

تلملم في مسامات

جسد الوطن

صراخ الفراغ

وحقائب اسفاري

المتعبة

تستفيق من هول ما رأت

وأنت تتلصص

أيها الظل

من خلف ستائر الشمس

وقت أن دنت من صقيعنا

تطهرنا

وأنا أبحث عن حانة

تمنحني كأسها

في قبضة الغرف الضيقة

أرتب أحرف الحال

في محنة القصيدة

تواري ظلك المرسوم

علي قلبها

وبين دقات أجراسها

في تفاصيل ارتجاف

روحي

بين نوافذها المغلقة.

إنه إذن يصنع أسطورته الخاصة، ويدلف من المشهدية إلى الموضوعاتية، يحكي ليتطهر، ويبوح ليكشف خبيئات الوجيعة لديه، حيث ارتجاف الروح والصراخ والحقائب المتعبة من كثرة الترحال والأسفار، والعزلة اللااختيارية والبعاد، وربما كل ذلك وجده في الصورة السوريالية التي تنشد الحقيقة، أو في الواقع الذي ينشد تجريد السوريالية من العراء وغياب الأوراق عن الشجرة الحزينة، والمدينة الفاجرة والحرية الغائبة التي تمثلها القصيدة البائسة. عبر المجتمع الذي لا ينظر إليه، وإلى الحب، والذين يمضغون الثمار الممزوجة كراهية وحقداً، أولئك الذين ظنوا أنهم النبلاء، وأن الآخرين رعاعاً، وعبيداً وقطعاناً ومواشٍ عبر مزارعهم الممتدة، وقد حسبوا أن الدنيا والناس والريح والكون قد دان لهم كذلك.

وتتوالى دوامات وتراكمات القلق فيظل يسأل ليصل إلى رأي يعرضه على ظله ليدخلا معاً لا إلى مرافىء الاجابات، بل إلى دائرة دوامات الأسئلة، وكأن القصيدة تسير بحركة دائرية، ودوائر متداخلة في دائرة سوريالية، ومتاهة عبر الحياة، يقول:

آن لي ولك أيها الظل

أن نمنحا

عجلات حافلة الضوء

تأشيرة الدخول

إلى مواكب الأسئلة

عند خيمة مواسم الدهشة

بين ظلال المسافات

المبصرة.

فهو في النهاية - لم يصل إلى الحقيقة عبر الرحلة السوريالية، رغم ترميزات اللغة التي تتوخى التراسل والمفارقة والدهشة، وعبر الصور البصرية وظلال المسافات المبصرة، فالبصر هنا للمسافات المابينية لمواسم الدهشة التي استدعتها الأسئلة عبر تأشيرة الدخول له وللظل، وكأننا نقرأ القصيدة من جديد من النهاية، ويمكن لنا أن نتأولها من النهاية ونشرحها هنا كذلك، ويقيني أننا سنصل إلى نفس النتيجة التي طرحها العنوان في الظل الهارب، والظل الذي ليس له، عبر لعبة الصورة والظلال،وأسلوبية اللغة الفائقة الفارقة الادهاشية، وربما المُستغلقة أيضاً.

وفي النهاية: يظل شاعرنا المائز الكوني، المابعد حداثي «عمارة ابراهيم»، شاعراً شاهقاً، مغايراً، يتقَصَّد المعاني خلف الظلال، ويعبر بنا وبقصيدة المعنى الجديدة التي- أسترفدها -إلى عالم ما بعد الحداثة، حيث المعنى هو الذي يصنع الصورة عبر الظلال، ويقدم الجديد لشكل قصيدة النثر المعاصرة، وقصيدة المعنى الكونية الجديدة.

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress