الكتابة عن الملك الحسين -طيب الله ثراه- في ذكراه التي تصادف في مثل هذا اليوم من كل عام، تحملنا إلى نفحات من الذكريات الجميلة معه، ولعلّي طالعت في العام الأخير ما لم أكن أعرفه مما أفاض به عليّ الفريق الدكتور يوسف باشا القسوس الذي اصطحبني في رحلة حياته التي ملأ الحسين فضاءاتها الرحبة إنسانية وأخلاقا وأمثلة دلّت على خلقه الهاشمي السمح العظيم، وهو القائد الذي عركته السياسة وأحوالها وناب عن الأمة في ضرّاء أحوالها وكان في مقدمة صفوفها المنافحين عن حقوقها، لكنه ظل في وسط هذا الخضم «الملك الإنسان» وأي إنسان، وأي ص?ر تلك التي ضمّتها دفتا كتاب الباشا القسوس القريب من الحسين.
ثمانية عقود وستة أعوام مرت على ولادة الحسين، واثنتان وعشرون سنة على رحيله الأجل، ومن منا كان يؤمّل أن يكتب عن الحسين بصيغة الفعل الماضي «كان» لولا أنها إرادة الله، وهو القائد المسلم المؤمن بقضاء ربه وقدره، وهو يواجه المحن والشدائد بالشجاعة والصبر والاطمئنان إلى رحمة الله، وهو القائل في خطابه في «16 كانون الثاني 1999': الحمد لله سبحانه وتعالى أن ألقى في القلب السكينة والرضا وأمدّني بالشجاعة والعزم والصبر والطمأنينة، فلا والله ما زاغ الفؤاد وما هوى ولا تسلّل الضيق أو الوحشة إلى الضمير ولا تطرّق الوهن إلى الع?يمة والرّجاء، وإنّما كان زاد الروح آيات بيّنات من كتاب الله العزيز أتلوها آناء الليل وأطراف النهار فتتنزّل على القلب سكينة ورضا، وتنير في الوجدان قناديل الأمل والرجاء.
أكتب في ذكرى الحسين بوجدان وحب وهو الحقيق بالحب، فلقد عُرف الحسين بالوفاء والشهامة ونُكران الذّات، والاستعداد في كلّ وقت للتضحية والبذل، وضرب أروع الأمثلة في الشّجاعة والإقدام وكان في أدقّ المواقف ملكا صادقا مع نفسه وشعبه وأمته، وإذا ما اتخذ قرارًا كان لا ينطلق من دنيا المزايدات وعالم المصالح، ولا يستلهم الشّعارات البرّاقة ولكنه كان يضع خير بلده وأمته قبل ما سواهم، فلله درّه من ملك.
نستذكر أبا عبدالله في ذكرى ميلاده وشمسه فينا ما زالت ساطعة تطالعنا كل نهار ولا تغيب، وكيف لها أن تغيب، انتقل الحسين من رحاب الدنيا إلى رحاب الآخرة، وخضوع المؤمنين لإرادة الله، احتسب الأردنيون وأبناء الأمة، الفقيد الغالي صابرين مرابطين، وعزاؤهم في ذلك تسلم شبل هاشمي للرّاية، يحفظ العهد ويسير على المبادئ التي رسّخها والده الفقيد الغالي في أسرته الهاشمية وشعبه الأردني الأبي، ويطمئن الأردنيون أن العهد الرابع للمملكة بين يدي جلالة الملك عبدالله الثاني الأمين على إرث الحسين، والساعي إلى تعظيمه ومراكمته في مختلف ?يادين الحياة.
لن يُنسى الحسين، القائد الرائد، الزعيم العربي الهاشمي الذي قاد الوطن وبلغ به ذرى المجد والسؤدد، وبحكمة عبدالله نمضي نحو آفاق أخرى من البناء والعطاء، وهو يواصل ليله بنهاره، ليقول للحسين: نم قرير العين يا أبي فما زلنا وسنبقى على العهد.
Ahmad.h@yu.edu.jo