محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

الرواية إذ تؤرّخ.. قراءة في »المؤابيّ« لسامر المجالي

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
أيمن أحمد المناصير (كاتب أردني)

كم هي شائكة بوابة التاريخ ومليئة بالألغام التي تصادفك أينما يمّمت وجهك، فما إن تخطو خطوة حتى ينفجر لغم أو يوشك، لذلك فالنبش في التاريخ مؤذن بحرب حقيقية مع المعلومة ومدى دقتها من جهة، والظروف التي ولدت فيها ونشأت وترعرعت من جهة أخرى، وتظلّ زاوية النظر وطريقة التوظيف لهذه المعلومة السّرّ الذي يعطيها نكهتها وفاعليتها ودورها في النسيج العام للصورة والمشهد، ولقد قرّر سامر حيدر المجالي أن يخوض هذه المغامرة من أكثر النقاط الساخنة التي أثرت في هويتنا وفي إعادة تشكيلنا، ورسم خرائطنا، والتأثير على الأطلس وتهشيمه.

إذ يقف الكاتب على فترة مفصلية يكاد يضرب فيها المسمار الأخير في نعش خلافة توشك شمسها على الغروب والأُفول، ويحاول من خلال هذه الرواية أن يستخدم عدسة مقعرة تزيد الصورة قربا ووضوحا، ويلقي ببقعة مركزة من الضوء على تلك اللحظات الأخيرة المشوبة بالقلق والتوتر والتخبط والأطماع والآمال والأمنيات والرغبات.

ويسعى المجالي لأن يلفت النظر صوب تفاصيل لا يلتفت إليها من يطلقون الأحكام الجاهزة على أحداث ومواقف وفترات تاريخية، غالباً ما خلطت أوراقها وتبعثرت ووضعت في إناء واحد، دون النظر إلى المبرّرات التي دفعت لاتخاذ مثل هذه المواقف والمسارات، أو البناء التاريخي الذي أسس لها وكان مسوغاً لاتخاذها.

ولا شك أن سلخ أيّ فكرة أو سلوك أو تصرف عن سياقه سيجعله نهب سهام كثيرة تمزق أشرعته مهما كانت نوايا أصحابها بيضاء بريئة وطيبة أو حتى خبيثة تسكنها الأنانية، لذلك حاول الكاتب جاهدا أن يفكّ الاشتباك بين الأحداث التاريخية التي تداخلت وتعقدت وتشابكت، ليضع عليها مجهراً مكبراً يظهر الخيوط الدقيقة التي دفعت إلى اتخاذ مواقف وسلك مسالك وعرة تحت ضغط الإهمال والتهميش وممارسة أقسى أنواع العنصرية من خلال تتريك ممنهج قضى على إنجازات السلطان الذي حاول إعادة الأمور إلى نصابها، لا بل والعمل على عزل هذا السلطان وتنصيب آخر منزو? الصلاحية والفعل، ليغدو كديكور لا يضيف إلى المشهد شيئا، والتخلص من «سلطان كان يمثل السلطة الروحية ووحدة الأمة».

في الرواية إنصاف للسلطان عبد الحميد الذي حاول أن يعيد القطار إلى سكته ويمنع الانهيار المدوي أو أن يؤجله على أقل تقدير، من خلال ترميم دولة تهشّمت جدرانها، والعمل على إعادة الدم لشرايينها وربطها بأواصر الأخوة والمحبة والمصالح المشتركة والمصير الواحد، كي يصبح الكل شريكا في التنمية، يتحمل كلفها، ويجني ثمارها، ويعيش في ظلالها.

وتظهر محاولات السلطان في تلك الفترة في التخفيف من وطأة المركزية التي خنقت الأطراف وساهمت في تعميق هامشيتها، وارتفاع مستوى المظلومية لديها من خلال تجهيل مبرمج، وإهمال ذاقت الدولة مرارته في أكثر من مناسبة، فقد كسب قلوب العرب باللطف واللين وحسن السياسة والالتفات إلى مطالبهم، وجعل من مشروع سكة الحديد شريانا جديدا يبث الدماء في عروق كادت تجف أو تتجمد، مشروع يساهم في رتق ثقوبِ ثوبٍ وشدّ خيوطه، بعد أن أصابها الوهن والضعف حدّ التّمزق.

لقد عانت الدولة العثمانية في أواخر عهدها موتا سريريا، وعاشت المنطقة فترة من المخاض الصعب والآمال العريضة المبنية على الثقة بالذئب؛ خوفا من راع يحدّ سكينه بين الحين والحين لجز رقاب مجموعة من الخراف التي بالغت في تقدير ذاتها وقدرتها على إحداث تغيير يعيد رسم المسافة بين الراعي وخرافه. واستطاع الكاتب أن يحدثنا عن هذه الأفكار والمشاعر المختلطة خاصة عندما تمّ الانقضاض على الدولة من قبل حزب الاتحاد والترقي الذي كان لا هم له إلا تعليق الناس على أعواد المشانق، في فترة كان الأولى فيها بث رسائل الطمأنة لمناطق الأطراف?الرخوة التي يسهل انتزاعها والتغرير بها من عدو يعمل ليل نهار على زيادة رقعة الشقة والخلاف بين هذه الأطراف ومركزها، وقد مثّل جمال باشا القشة التي قصمت ظهر البعير وزادت الطين بلة، وعكّرت الأجواء التي كانت في الأصل ملبدة بغيوم الظلم والفاقة والفقر والتهمش والازدراء. «في تلك الأيام العصيبة التي ينطوي كل صباح منها على شر مستطير، بل على موجة غضب جديدة تحصد مزيدا من الرقاب» وبذلك يكون «العثمانيون قد استهلكوا كل احتمال قد يؤدّي لبقائهم» على حد تعبير الكاتب.

واختار الكاتب أن يلج نصه من خلال عتبة تحاول إعادة مؤاب التاريخية إلى واجهة الأحداث في فترة سكنتها الحيرة والفوضى واللايقين السياسي، وتماوج الجغرافيا وإعادة تركيبها، على وقع إعادة صياغة القناعات والأفكار والرؤى مرة، وبسنابك الخيل ووقع البساطير الثقيلة ونيران المدافع مرة أخرى.

وعلى الرغم من أن مؤاب قد تبدو منزوية وبعيدة عن مرمى النظر، إلا أنها حاضرة في هذه الأحداث، وفاعلة لا يمكن تجاوزها، فهي ابنة هذا الامتداد ولن تنفصل عن محيطها الذي تنتمي إليه، لكنها في الوقت نفسه تتمايز عنه، فثمة خصوصية لا تضيع لهذه المدينة القابعة في الجنوب، جعلها من أوائل المدن العربية التي تعلن العصيان وشق عصا الطاعة عندما يتعرض الأمر لكرامتها وامتيازاتها ومطالبها المشروعة ورفضها لظلم وشيك، ما جعل «الْهيّة» مشروعة ومبررة على إدارة لم تقدر رعيتها وأبناءها، ونظرت إليهم من خرم الطاعة الواجبة، لا من نافذة المو?طنة التي تستدعي حقوقا وواجبات متبادلة.

ولقد استطاع المؤابي أن يفرض حضوره على المشهد المليء بالتشابك والتعقيد، وأن يكون جزءا صميما من اللاعبين الأساسيين فيه، مستندا إلى ماض ممتد يحكم شروط العلاقة بين المركز والأطراف، ورؤية ترقب المشهد وتؤثر فيه، وتعطي لأهل مؤاب وزنهم وقيمتهم، وربما تحيلنا عتبة العنوان إلى أحلام قد تبدو مشروعة ورؤى ربما تكون حالمة بأن تؤوب الشمس إلى ديارها ذات نهضة.

ولجأ الكاتب إلى خط سردي واضح المعالم يقوم على الاتكاء على فن المذكرات كحيلة سردية تتكفل بإيصال جرعات متكاملة من الأحداث المركبة والمعلومات الدقيقة في فترة بالغة الدقة والحساسية من تاريخنا العربي والإسلامي، ولعل هذه المذكرات سمحت للكاتب معالجة قضاياه على نار هادئة، وأعطته مساحة مهمة لتناول الأفكار بالنقد والتحليل وتقليب وجهات النظر، وعلى الرغم من اعتماده على هذه الحيلة السردية التي تنظر للأحداث من منظور صاحبها، إلا أنه استعان بالراوي العليم الذي تكفل بإيصال الجزء المتمم لهذه الصورة، والتدخل وإبداء الراي وإض?ءة بعض النقاط المعتمة بين ثنايا النص وشقوقه.

كما غلبت لغة التحليل المنطقي على لغة الكاتب الذي يجيد فن الإمساك بالكلمات وتطويعها، لتغدو اللغة أداة الكاتب في بث أفكاره، حتى إنك لتجد صعوبة في فك الاشتباك بين الحدث والفكرة التي يحاول أن يبثها بين السطور محللا ومفسرا وشارحا لك أبعاد المسألة من جميع جوانبها، ولعل الحدث ودلالته صنوان لا يفترقان، وجهان لعملة واحدة، وقد كان الكاتب يطل برأسه بين الحين والآخر ليفسر ويحلل ويعلق مُتذرّعاً بالشخصيات التي تغدو في هذه اللحظة ظل الكاتب في روايته، وقناعه الذي يرتديه كلما اقتضت الحاجة لذلك.

ويمكن لهذه اللغة أن تعوّل على الصورة وسلطتها في إضفاء المشهديّة وتعدد الألوان، ونسج عرى الحكاية وتجسيد اللحظة الزمانية ومحاولة فرض الرؤى الواقعية على ذهن المتلقي الذي يلاحق الفكرة، فللصورة قدرتها على الحسم وإيصال الرسالة في كلمات معدودة، «فالجمل إن وقع، تكاثرت عليه السكاكين» في إشارة تلخص المسألة برمتها، وقد «بدا أن الربيع سيُخْلف موعده هذه السنة»، التي عمّ فيها الألم وامتد قيظها فأهلك الناس حزنا وكمداً، حتى إن الناس «أخذت تربي حزنها كمن تربي أولادها»، وتزداد حكمة الصورة المشبعة بالمعنى القائم على التأمل ع?دما نعلم أن «التاريخ لا يحتمل الفراغ، إذ يسارع لملء نفسه بنفسه». وأيضاً بأنّ «أهل السياسة يسممون المواقيت ويتلاشون معها». ونرى أن الكاتب غدا مصرّاً على حشد هذه الصور لتكون يده في معركة الأفكار التي يمارسها ويخوضها ويدافع عنها، لا أن تغدو الصورة الفنية زينة لفظية خالية من الطعم والدسم.

لذلك عمد الكاتب إلى دس المادة التحليلية بين السطور، فتغدو الفكرة لديه صاحبة صدارة، متقدمة على متتالية الأحداث المتسارعة، فالغاية تتمثل في وضع الأحداث على سكتها وتوضيح سياقاتها وتعليلها وبيان أوجه الرأي فيها من خلال تقديم بنية معرفية متماسكة مستندة إلى صيرورة الأحداث ومنطقها، وقد أجاد الكاتب في مراده من خلال الاتكاء على هذه النزعة التحليلية، فنحن أمام حدث تاريخي جلل، ومفصل مهم من مفاصل حدث قيد النمو والتشكل، وساحة واسعة للجدل واختلاف الآراء والرؤى والاتجاهات والتوجهات، وبالتالي الدخول في منطقة صراع الفكرة و?ثبيتها أو نفيها استنادا إلى معطيات كل فريق.

فالتشبث في جسم دولة ظلت طيلة عدة قرون حامية الحمى والمدافعة عن المقدسات، رغم حالة الضعف التي أصابتها، والعنصرية التي سكنت بعض مفاصلها، يراه البعض واجبا أخلاقيا ودينيا. وفي الجهة المقابلة يقف تيار عريض تضرر من البقاء رهينا لدولة آيلة للسقوط، تأخذ ولا تعطي، تجلد ولا ترأف، وتعلق أعواد المشانق في كل زاوية، دولة لم تستطع مواكبة اللحظة التاريخية ولم تع الحركة الزلزالية والنشاط البركاني الذي يدور حولها، والأدهى من ذلك انقلاب المتعصبين فيها على الشرعية الروحية لخليفة كان يشكل خيط الأمل الأخير الذي يربط شرايين الدو?ة ومفاصلها، والتعامل مع الأطراف كمشاريع خونة، لا طلاب حقوق.

كما عمد الكاتب إلى كشف مواقف الأطراف المشاركة وتعريتها وإعادة فتح ملفاتها ومحاكمتها وبيان نقاط عوارها ونقاط اختلافها وائتلافها مع ميل واضح لأفكار أبطاله الذين تحدثوا بلسانه عن أحلام ورؤى وتطلعات فئة عاشت حياتها على المحك في فترة كان كل شيء فيها قابلا للتشكيل وإعادة الصياغة والرسم.

وأجاد الكاتب في صنع شخصياته التي ترامت وامتدت وبسطت حضورها على مدار جسم الرواية، لكن ثمة خيط رفيع تنتظم فيه هذه الشخصيات وتتوالد وفق مقتضيات نص بدأ في مؤاب ومكث في الشام، ليعرض وحدة حال ومصير لمنطقة بدأت تتململ تحت وقع ظلم أيقظ شعورا قوميا وسط بحر من القوميات التي بدأت رحلتها في تقرير مصيرها وتحديد ملامحها، ومنهجة أفكارها.

ففي كثير من الأحيان لا تدرك الدول المياه والأفكار التي تتدفق من بين أصابعها، ولا تستطيع السيطرة عليها أو حتى ضبطها، ولا تتقن فن الانحناء للعاصفة وتركها تمر، ولعل هذه الأفكار وهذا الشعور القومي وجد ضالته والوقود الذي يقتات عليه عندما تربّع الإهمال والتهميش على مساحة وجغرافيا كانت دوما محورا فاعلا في صنع الأحدث أو المساهمة فيها، الأمر الذي أسهم في ولادة بنى اجتماعية تحمل هذه الأفكار وتبشر بها.

وربما كانت الواقعية السمة الأبرز التي ميّزت شخصيات الرواية، فنحن أمام نص حفل بشخصيات أنتجها الواقع، لتتصدر المشهد وتساهم فيه، لكن النص غدا مسكونا بفكرة السيادة والتصدر، لذلك ظلّ الزعماء المحليون وأبناء الذوات يطلون من بين جنبات هذه الرواية ونوافذها، وإذا جاز لنا أن نعتبر عدنان سيد مؤاب الحديثة فإنه لم يكن أكثر من زعيم محلي ذكي يجيد القفز من القارب كلما وجد فرصة مواتية للنجاة، والصعود لقارب يؤمّن له ولعائلته امتيازات وألقابا ورتبا ومكتسبات اجتماعية وسياسية محدودة، مع أن مقدمات الرواية كانت تشير إلى بناء بطل?من طراز أبطال عبد الرحمن منيف في خماسيته.

كنا نأمل أن نرى حركة الناس ومعاناتهم الحقيقية وتكثيف البؤر الإنسانية والمعاناة التي سكنت المجتمع آنذاك، وربما كان من المهم إزاحة الكاميرا عن الطبقة السياسية وأبناء العائلات الدمشقية الثرية وأصحاب النفوذ، لنزيد المساحة اللازمة للتعبير عن أوجاع الناس، ونعمق النقاش حول الفلاح الذي يضطر للتنازل عن أرض لا يستطيع دفع ضرائبها ومكوسها، والجهل الذي تفشى في مناطق شاسعة لا تحفل بمدرسة أو حتى كتّاب ينير هذه الدروب التي أنارت في يوم سموات العالم أجمع.

فقد أُهمل البسطاء وظهروا بشكل خجول في جنبات الرواية، مع أنهم كانوا على الدوام تلك الرصاصة التي تملأ أحشاء بندقية متأهبة ومستعدة للمجازفة بمصيرها ومستقبلها من أجل أن تبقى هذه الدولة واقفة ولو على أطراف اصطناعية، كما أنّ هؤلاء البسطاء أيضا قد يغدون في لحظة فارقة برميل بارود قابلا لصب ما في جوفه دفعة واحدة، فيتملل ويتحرك ويثور ويغيّر موازين المعادلة، ولو حظيت هذه الطبقة بالمساحة التي تتناسب مع حجمها في النص لشكلت قيمة مضافة ولبنة مهمة تثري النص وتزيد من جرعة التعاطف مع أبطاله وأفكارهم. لذلك كان من المهم أن نر? حركة الناس العاديين وتفاعلهم مع الحدث والتعاطي معه، لا أن يظلوا على هامش النص، ويعرضوا من خلال إضفاء ميزة وسمة لشخصية من الشخصيات الذوات في الرواية.

وقد حاول الكاتب أن يشير إلى بعض مواطن الوهن التي نخرت أسس البناء وهشمته، ولعل أخطر ما قد يعصف بالدول إضافة إلى التجهيل المتعمد، يتمثل في ازدياد الفجوة بين الأغنياء والفقراء إلى الحد الذي يستعبد فيه الغني الفقير ويحوله قناً بالمعنى الحرفي للكلمة، وما يزيد الأمر سوءاً القضاء على أحلام الطبقة الوسطى في أي مجتمع، تلك الطبقة التي تتطلع بشكل دائم، أن تجاور الأغنياء وتقفز في أحضانهم هربا من السقوط في مستنقع الفقر، لكن نظام الفرز الطبقي الذي كان سائدا ومتجذرا كان يعمد إلى تجريد هؤلاء من أحلامهم وفق خطة لم تكتب على?الأوراق، بتوريط صغار المزارعين بقروض يعجزون عن سدادها؛ لتتحول أراضيهم وعائلاتهم خدما للباشوات وأصحاب النفوذ، ويضطر أحدهم «في موسم من مواسم الفقر وتحت وطأة الفاقة إلى بيع ابنته لتعمل خادمة عند ذاك الرجل مدى حياتها».

إن الدعم اللامحدود لنظام توزيع الرتب والألقاب والمناصب بهدف كسب ودّ طبقة اجتماعية محددة، والسكوت الممنهج أو التغاضي عن خط السير الذي يتجه إليه المجتمع، ولّد حالة من الحقد بين أجيال لم تر في الدولة ذلك الحضن الدافئ الذي تلجأ إليه وقت المحن، ليصبح زوالها أو إعادة هيكلتها وإنتاجها على أقل تقدير مطلبا اجتماعيا مدعوما بثالوث (الفقر، والجهل والظلم) الذي يودي بأي أمة مهما كبرت وعلت.

والأخطر من ذلك هو عدم التعاطف والاستجابة لمشاريع دولة تجر الناس جراً لمشاريع لا يعرفون قيمتها وأثرها عليهم، فكان الناس يؤخذون لجبهات قتال دون أن يدركوا أو يعرفوا أو يعلموا الإجابة عن الأسئلة التي تسكنهم، عندما كان ينتزع شاب من بين ذويه كي يموت في أرض لا يعرف عنها شيئا، أرض لم يعرف في يوم بأنها تنتمي إليه أو أنه ينتمي إليها.

لقد وضعت الرواية يدها على جرح ما زلنا نعيش أثره إلى الآن، لكن ربما كان من المهم الدخول من عتبة مؤاب إلى تلك المواجع التي تخثرت في الشرايين مؤذنة بموت مؤجل أو سكتة دماغية مفاجئة، وتتبّع تلك الشقوق التي تعمقت وتوسعت بين المركز والأطراف حتى اتسع الفتق على الراتق، وصار قرار القطيعة خيارا محتملا تمليه الظروف الموضوعية، ومتتالية الهبوط التي بدأت منذ زمن، وكان من الواضح أنها ستستقر في قاع سحيق.

ويمكن اعتبار هذه الرواية الصادرة عن «الآن ناشرون وموزعون» (2021) محاولة جادة لتشكيل رؤية ناقدة واعية لفترة تاريخية مفصلية مرّ بها عالمنا العربي والإسلامي، تحتاج إلى من يسلط الضوء عليها، ويدلي فيها بدلوه بعيدا عن الآراء المسبقة والمواقف المعلبة الجاهزة والأفكار المحنطة التي تتهم أو تعظّم، تنتقد أو تُبرّئ، تضع أو ترفع، إذ لا فرق بينهما على أي حال؛ لأنهما لا يستندان إلا لعاطفة محددة الأهواء والرغبات وحظ النفس مسبقا.

إن النقد الموضوعي في مثل هذه الأعمال لا يأتي من باب التنكر وإدارة الظهر لدولة أعادت للأمة ألقها ووضعت على عاتقها حماية الأرض والمقدسات، لكنّ الدولة التي تصمّ أذنيها وتعصب عينيها عن الرمال المتحركة التي تسير وسطها، ستكون حتماً ضحية جهلها وسوء تقديرها.

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress