أسئلة لا بد من الإجابة عنها بحقائق رقمية؛ هل استطاعت خطط التطوير الحضري في الأردن، وتمدد شبكات الطرق والتحتية الآمنة، إذابة المناطق الأكثر فقرا، مع مختلف المدن، وتقديم خدمات مستدامة تنسجم مع توجهات الهدف الحادي عشر من أهداف التنمية المستدامة بجعل المدن والمستوطنات البشرية شاملة وآمنة ومرنة ومستدامة؟
هل يتم متابعة وتقويم استراتيجية/ سياسة التخطيط الحضري التي أعدتها الأردن من ضمن 156 بلداً قامت بوضع سياسات حضرية وطنية من المفترض أن تكون في مرحلة التنفيذ؟
هل تغطي بيانات وتقارير مرصد عمان الحضري مناطق المملكة ومحافظاتها كافة، وتصدر تقارير منتظمة حول مستوى انجاز مستهدفات خطة التطوير الحضري بشمولية؟
أدت جائحة كورونا-كوفيد 19 إلى تفاقم محنة الأحياء الفقيرة، بل عمقت جيوب الفقر، وتقلص فرص التوسع بالبنية التحتية، وبخاصة خدمات المواصلات العامة التي تمهد الطريق ليس فقط لتسهيل التنقل والحركة، بل للانتعاش الاقتصادي ومد جسور الترابط المجتمعي وتقليل العزلة.
كلنا يعلم أن 85% من السكان في الأردن تعيش في المدن مقابل 15% تسكن الأرياف والبادية، وأن تجمعات الفقر تتسع وتتمدد في أحياء تلك المدن أسوة بما تعانيه الأرياف والبادية من فقر مدقع.
قدمت أول خطة مركزية لمواجهة الفقر بدعم من «بنك تنمية المدن والقرى» في مجال الجغرافيا التنموية، بشراكة مع وزارة التخطيط، وجرى البحث عن المناطق الأسوأ حالا تنمويا، التي سرعان ما سميت «الأقل حظا»، وقد اشتهر هذا المفهوم، وأعلن في البداية عن 14 موقعا (أحياء في مدن أو قرية كاملة أو مخيم).
إن العدد الأكبر من الفقراء يعيش خارج جيوب الفقر. بينما تتركز جيوب الفقر/ المناطق ذات الخصوصية التنموية في المحافظات والمناطق البعيدة نسبيا عن العاصمة ومراكز المحافظات، في تقرير لقناة رؤيا الإخبارية رتب المدن الأكثر فقرا في الأردن، تصدرت المدينة الأعلى فقرا الأولى بالترتيب غور الصافي..
إذ بلغت نسبة الفقر فيها 85%، والبطالة 75% ونسبة الفقر الشديد 60%، تلتها بالمرتبة الثانية وادي عربة والقرى المحيطة (أهم قراها الريشة) بنسبة فقر بلغت 73% (يسكنها 15 ألف نسمة).
وجاءت الأغوار الجنوبية لتحتل المرتبة الثالثة من حيث التجمعات الفقيرة، إذ بلغ معدل الفقر فيها 50% والبطالة 30% (5 ألف نسمة)، وبالترتيب الثامن مدينة المفرق بنسبة الفقر 19.2%. والتاسعة قرى محافظة الكرك (الحامدية والراشدية وعي) بنسبة فقر 13.2% وفي المرتبة العاشرة منطقة وادي الأردن.
تُطلعنا الأرقام العالمية على أن غالبية سكان الأحياء الفقيرة، الذين يزيد عددهم على مليار نسمة، يعيشون في ثلاث مناطق (2018) وسط وجنوب آسيا 226 مليوناً، أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى 238 مليونا، شرق وجنوب آسيا 370 مليونا.
ولا يتمتع بإمكانية الوصول المريح إلى وسائل النقل العام إلا نصف سكان المناطق الحضرية في العالم (2019). تعني» إمكانية الوصول المريح» الإقامة على مسافة 500 متر سيرا على الأقدام من محطة للحافلات/ نظام نقل منخفض السعة و1000 متر من محطة سكة حديد أو محطة عبّارات.
لا بد لكسر حواجز الانغلاق في المجتمعات الفقيرة وإدماجها بالمدن من النظر لشبكة الطرق ومستوى تشابكها وترابطها الجغرافي والمكاني، خصوصا وأن النقل في الأردن يأتي بالمرتبة الثانية من حيث الإنفاق بعد الكهرباء والغاز.
وتنفق الأسرة 442 دينارا سنويا (دائرة الإحصاءات العامة 2017/2018). من خلال ما يربو على مليوني مركبة تصدر هدف التنقل لغايات التعليم (36% من مجموع حركات النقل تلاه العمل 34 %، التسوق، 9%، الجامعات 4%) (الاستراتيجية الوطنية للنقل) فما هو المتوقع لحركة النقل عندما يبلغ عدد السكان 12 مليونا ونحتاج 14 مليون رحلة كما هو متوقع في العام 2024 (الاستراتيجية والوطنية للنقل) وطاقات طرقنا داخل المدن الرئيسة بعامة، والخارجية منها تئن من الازدحام؟
لتحقيق قيمة لخطط التطوير الحضري وبناء المدن والتجمعات البشرية الذكية والمستدامة والسير قدما في اتجاه تحقيق هدف التنمية المستدامة ذي العلاقة لا بد من:
ترجمة التخطيط المستقبلي في بناء المدن الذكية وتوصيات المؤتمرات ذات العلاقة لحيز التنفيذ، وإشراك جميع شرائح المجتمع بحملات التوعية والتثقيف بنماذج تلك المدن، واستخدام الواقع المعزز والافتراضي في تقريب الصورة الذهنية للمتلقي.
نقل تعدد المهام والمسؤوليات من الجهات المتعددة المسؤولة عن تنظيم خدمات النقل/ مثل أمانة عمّان الكبرى (وسائل المواصلات العامة داخل العاصمة) وهيئة تنظيم النقل البري (النقل خارج عمّان، وتلك التي تربط عمّان بالمحافظات المجاورة).
الأخذ بتوصيات ملتقى «مستقبل النظام الحضري في الأردن» (الشعبة المعمارية/ نقابة المهندسين الأردنيين) وبخاصة تغيير «النمط السائد غير المتوازن» (يتركّز السكّان في مدن الوسط والشمال الغربي للبلاد–نحو 86% من مجمل السكان يقيمون على 10% من مساحة البلاد، ما سيؤدّي مستقبلاً إلى «مزيد من الضغط على الموارد الطبيعية والبيئية وخدمات البنية التحتية، وبخاصة المياه والتربة ونظم المواصلات وشبكات الكهرباء والصرف الصحي) الباحثة والمعمارية رانية قطيشات.
تأهيل المراكز الحضرية
إعادة النظر في معايير التقسيمات الإدارية لتصبح قادرة على التعايش مع بيئتها الفقيرة وربط اللامركزية الإدارية بالمشاريع التنموية والموارد والثروات الكامنة التي يمكن استثمارها بمحيط صلاحياتها، والتوجه لتفعيل خطط لمراكز الإقليم (الجنوب، والشمال تحديدا) لتكون مصدر جذب للاستثمار والاستقرار السكني القائم على تحسين الحياة المعيشية.
مراجعة الخطة الاستراتيجية والسياسات الحضرية والعمرانية الشاملة التي تعامل محافظات المملكة كوحدة واحدة مع مراعاة التنوع المكاني والجغرافي والديموغرافي على امتداد ساحات الوطن، وألا تقتصر خطط التطوير على العاصمة عمان كما تتمركز الخبرات التخطيطية فيها تحديدا وتشح بباقي المحافظات بل تندر أو تنعدم كلما ابتعدنا عن مركز العاصمة.
إن زيادة أعداد المركبات الكهربائية المتوقعة على مدى العقود المقبلة تعني أن شبكات الكهرباء المحلية في بعض محاور النقل الحضرية ستحتاج إلى تقوية، فضلًا عن الاستثمارات المطلوبة لزيادة توليد الكهرباء بنسبة 10 إلى 15%. وأن يتم التنبه بالفعل لا بردة الفعل إلى تصريحات منسوبة للمدير الإقليمي لشؤون البنية التحتية بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بول نومبا أم، وعدد من الخبراء في البنك الدولي، «الوقت حان كي تتجه دول المنطقة إلى سياسات واستراتيجيات تدعم المركبات الكهربائية لإتاحة المزيد من الخيارات الأفضل في مجال النقل والمواصلات، وبخاصة للنساء والفئات المستضعفة والأولى بالرعاية والمهمشة أصلا بسبب عدم إمكانية الوصول إلى وسائل النقل والمواصلات».
تعزيز الشراكة البناءة والرشيدة للتمويل من (برنامج البنك الدولي) للمساعدة في دعم تنفيذ خطط إدارة البنى التحتية» و(الصندوق الاستئماني متعدد المانحين للوجستيات المستدامة والنقل) لضمان استدامة شبكة النقل وربط الأحياء الفقيرة بمركز محيطها ومع المدن الأخرى.
فتح السوق أمام المشغـلين والاستثمارات الخاصة (استراتيجية النقل العام) وبخاصة بالنقل الجماعي المتطور كالهايبرلوب، والقطارات وتحديث نظام النقل من أجل تحقيق دعم كامل للتنمية الاقتصادية في الأردن.
أخيرا
وبحسب النظام المحوسب للتنبؤ بالنقل؛ فإنه إن لم يتم التدخل بشكل جاد في حل مشكلة البنى التحتية لشبكات النقل المتعددة الوسائط، سيزداد الوضع سوءا، وفي نهاية العقد القادم لن يستطيع نظام النقل تقديم الأداء المطلوب لدعم الاقتصاد الأردني والحياة اليومية للمواطنين، ما سيؤدي إلى زيادة التأخير ويقلل الموثوقية وزيادة التكلفة على أنشطة المواطن والعمال، وفي النهاية يؤثر سلبا في زيادة البطالة وتكوم الفقراء وتعمق جيوب الفقر.