محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

ماريو برجاس يوسا.. الكتابة شرطٌ لعيش الحياة

طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
د.محمّد محمّد خطّابي (كاتب ومترجم من المغرب)

حلّت في هذا العام الذكرى الخامسة والثمانون لميلاد الكاتب البيرواني المعروف ماريو برجاس يوسا، الذي أكد في هذه المناسبة أن مرور السنين لم يقتل فيه حبَّه للمعرفة، ولا روح المغامرة عنده، وأنه كان دائماً يشعر بالحزن على أولئك الأشخاص الذين يقتلون أنفسَهم وهم على قيد الحياة، ويجلسون في انتظار الموت.

وأضاف يوسا في السّياق نفسه: «لا أستطيع أن أستوعب أن أعيش الحياة من دون أن أكتب، ومن دون أن أواجه وأقاوم كي لا أتحوّل إلى مُجَسَّمٍ أو تمثال».

هذا الرّوائي الذي أثرى المكتبة الإسبانية بغيرِ قليلٍ من الأعمال الرّوائية، والإبداعات الأدبية والنقدية واسعة الانتشار، يُعد من دون منازع من كبار الرّوائيين المعاصرين، فقبل حصوله على جائزة نوبل للآداب عام 2010 حصد في إسبانيا وحدها العديد من الجوائز الأدبية الكبرى منها، «أمير أستورياس» في الآداب عام 1986، و«بلانيتا» عام 1993، و"سيرفانتيس» 1994.

وكانت الأكاديمية الملكية للّغة الإسبانية، بمناسبة مرور 60 عاماً على صدور «المدينة والكلاب» (باكورة روايات يوسا) قد أقامت في مدريد حفلاً تكريميّاً لهذا الكاتب، وأصدرت طبعة تذكارية خاصّة من هذه الرواية، جاء في تقديمها: «هذه الرواية شكّلت خطوة مهمّة في تجاوز إشكالية الهنود أو السكّان الأصليّين في أميركا اللاتينية، وكذا في البحث والتنقيب عن الجذور والقيم السابقة للوجود الإسباني في القارة الأميركية، ممّا جعلنا نتقدّم نحو توفير أرضية صلبة معاصرة، وتثبيت الحقيقة القائمة اليوم للمواطن الأميركي المندمج والمتأقلم كل?ّةً في وسطه ومجتمعه».

وعالج يوسا كل ذلك في قالب روائي اتّخذ أشكالاً جديدة مبتكرة في الأدب الإسباني اعتمدت على تقنيات روائية مُجرّبة. هذا التجديد في الشكل والمضمون جعل من يوسا مرجعاً أساسياً للرّواية الإسبانو-أميركية المعاصرة.

تدور أحداث «المدينة والكلاب» التي تُرجمت إلى ما ينيف على ثلاثين لغة، في معهد عسكري، حيث يتلقّى المراهقون والشباب تكويناً مدرسياً ثانوياً تحت تعليمات عسكرية صارمة. ويقول رئيس الاكاديمية البيروانية للّغة الإسبانية ماركو مارتوس: «لغة يوسا أدركت شأواً عالمياً، إنه يقدّم للعالم الأسلوب البيرواني في التعامل مع اللغة الإسبانية، وقد أهّلها هذا لأن تُعرَف في مختلف الأصقاع التي تتحدّث الإسبانية».

لم تُنشر رواية «المدينة والكلاب» كاملةً في إسبانيا إلاّ بعد رحيل الجنرال فرانكو، إذ كان قد حُذف العديد من صفحاتها، كما أُضرمت النيران في العديد من نسخها في ألبيرو. وهي رواية تصور انفجار الأحاسيس الدفينة، والهواجس المكبوتة، والآلام المُبرحة التي يعانيها الكائن البشري حيال نفسه، والقسر أو القهر الذي يثقل كاهله، وتوقه الدائم للانعتاق. يقول يُوسا عن هذه الرواية ضمن مقابلة أجرتها معه الكاتبة كوليت مرشيليان: «أعتقد أن فترة الطفولة والمراهقة وكلّ ما يجري خلالها من تجارب قاسية أو صعبة هي فترة حاسمة في حياة كلّ إنس?ن، خاصّة في حياة الكاتب، لأنّ هذا الأخير في موقع استرجاع ما ترك أثره فيه، فتطلع عليه هذه التجارب من مرحلة المراهقة المؤثرة. لقد اكتشفتُ كلّ مشاكل ألبيرو السياسية والاجتماعية خلال إقامتي في تلك الأكاديمية العسكرية، وتأثرتُ بشدّة حين لمستُ كم أن البيرو في مواقف محتدمة من حيث الوضع الاقتصادي أو من ناحية العنف والفروق الاجتماعية، وكلّ المشكلات التي تنتج عنها من نزاعات وعذابات».

هذا الكاتب يكاد يصبح ظاهرة فريدة في آداب أميركا اللاتينية، وما زال يثير فضولَ النقاد والقرّاء والأوساط الأدبية في كل مكان، فقد حقق لنفسه شهرة عالمية أوصلته إلى نيل جائزة نوبل في الآداب، إنه رجل يعيش عصره مهووسا ومسكونا بالكتابة، فقد زاول مختلف فنون القول، واشتغل بالصحافة والأدب والنقد والدراسة، وشكّل إلى جانب كارلوس فوينتيس وغابرييل غارسيا ماركيز، وقبلهما خورخي لويس بورخيس، جزءاً من الجيل الذي حمل أدب أميركا اللاتينية إلى أعلى المراتب وأرقى المستويات شهرةً وتكريماً وبُعد صيت.

لبرجاس يوسا كتاب بعنوان «في مواجهة الرّيح والتيّار» يلقي الضوء على جوانب من حياته وإبداعاته، وهو في هذا الكتاب يسمّي الأشياءَ بمسمّياتها، يقول: «يتعلق الأمر بنصوص تؤرّخ لظروف وملابسات ليست ذات أهمية أدبية، لم يعاملها الزمن بإشفاق، إنها جملة من التناقضات والأخطاء والتكهّنات، بعيدة عن أيّ تكبّر أو خيلاء أو ندم ممزوج ببعض الحزن والأسى، إنها انطباعات وتسجيلات لبعض الآمال والتطلعات التي ذهبت أدراجَ الرّياح وجرفها التيّار».

ضد هذه الرياح، وفي مواجهة هذه التيارات، جذف يوسا قاربه لمدّة ستة عقود من الزمان ونيّف، أيّ منذ صدور «المدينة والكلاب». وهو يطرح في «في مواجهة الريح والتيّار» وجهات نظره بشأن العديد من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العالم. إنه كاتب يبثّ الحياة في الأشباح، إذ نجد في هذا الكتاب إشارات وملاحظات وتراجم ومقالات ويوميات وخطباً واستجوابات وتحقيقات تحدّد أفكاره وقناعاته المبكرة.

يقدم يوسا في «مواجهة الريح والتيّار» مراجعة عميقة لصاحب رواية «الغريب»، الأديب الفرنسي ألبير كامو، وينتهي بعرضٍ ضافٍ حول المجتمع المفتوح وخصومه. ثم يمكننا أن نتتبّع ونقتفي ونرصد تطوّر فكر وأدب يُوسا، خاصّة فيما يتصل بمواضيع لها صلة بالاشتراكية والثورة الكوبية، ونيكاراغوا الساندينية، ويتجلّى لنا في هذه الكتابات التزام الكاتب إزاء قضايا أميركا اللاّتينية، على غرار الحرية، والديمقراطية، والنموّ الاقتصادي. ويتّضح لنا من خلال هذه الكتابات تأييده وإعجابه بالثورة الكوبية في عنفوانها، إلاّ أنه الآن لم يعد يؤمن بهذ? الرأي، ويعلن معارضته واختلافه مع كوبا الكاسترية والراؤولية كذلك. كما يعكس الكتاب اتجاه الكاتب النقدي، وكيف أن مواقفه تتغيّر وتتبدّل بحسب ما تمليه عليه ظروف الحياة ومستجدّاتها.

يقول يُوسا: «هناك إرهاصات تنبئ بقرب حدوث تغيير وشيك طفقت تتجلى معالمه، بدأت تشهده العديد من بلدان أميركا اللاتينية، حيث بدأت بوادر الديمقراطية في الظهور من جديد في الأرجنتين على وجه التحديد، هذا أمر ينعكس بشكل أو بآخر على سائر بلدان المنطقة». ويرى أنّ الشعبوية «أصبحت في تراجع ونكوص، على صعيد أميركا اللاتينية»، مضيفاً أن أحداثاً وتغييرات من هذا القبيل تدعو للتفاؤل في ما يتعلق بمستقبل هذه المنطقة من العالم.

وينتقد يوسا الظروف السيئة التي تمرّ بها الصحافة في الوقت الراهن، على الرّغم من أن المعلومات لم تعد تعترف بالحدود، ممّا أفضى إلى خلق نوع من الالتباس، ذلك أنه ليس هناك تقييم لمصداقية المعلومات التي أصبحت متداوَلة ومتبادلة في العالم. ولا يدري يُوسا إن كانت الصحافة المكتوبة أو الورقية ستستمرّ في الصدور وفي الوجود، إلاّ أنه يرى خلافاً لذلك أن الكتاب لا بدّ أن يستمرّ في الصّمود، لأنّ الناس «يوثرون أن يضمّوا أو يحتضنوا الكتابَ بين أيديهم لقراءته، وليس من خلال أقراص مُدمجة أو لوحات إلكترونية».

غيّر يوسا بعض آرائه الأولى التي كانت تضعه في مصافّ المفكرين والأدباء اليساريين الذين يدافعون عن الكادحين، فبعد أن فشل في عالم السياسة أمام ألبيرتو فوجيموري في الانتخابات الرئاسية في ألبيرو (1990)، ارتمىَ في أحضان الأدب وشدّ الرّحال إلى أوروبا، وطفق يدغدغ المجتمعات المخملية والأوساط الماسيّة، كما طفق يشقّ طريقه المحفوفة بغير قليل من الصّعاب والمخاطر، والمنافسات الشرسة نحو المؤسّسة السويدية ليعانق أكبر تكريم أدبي في العالم بحصوله عام 2010 على «نوبل» في الآداب، بعد مرور 28 سنة على حصول الكولومبي غابرييل غارسي? ماركيز على هذا التكريم، وكانت بين الكاتبين خصومة مفتوحة مُستحكمة.

وكتب يوسا عن الحقبة التي عاشها في أوروبا في مرحلة شبابه واختلاطه بالحياة الثقافية والفكرية فيها. ونجد صدى تلك المعايشات في نقاشاته حول المواضيع الأدبية والفلسفية في ذلك الوقت، مثل عروضه حول سارتر، وسيمون دي بوفوار، وكامو. كما نجد العديد من الطرائف والحكايات والأحداث التي وقعت للكاتب في باريس، ومعلومات كان قد طواها النسيان أو ربما هي مجهولة حول انطباعات يوسا بخصوص بعض الأدباء الفرنسيين وأعمالهم؛ مثل «بؤساء فيكتور هوجو»، وذكرياته حول الشارع والمنزل الذي عاش فيه «كارل ماركس» في لندن.

يستقرّ يوسا اليوم بإسبانيا، إذ مُنح الجنسية الإسبانية، كما انتُخب عضواً في أكاديمية اللغة الإسبانية، وفي إسبانيا ما فتئ يبدع في عالم الأدب، ومن أشهر رواياته التي أحيطت بهالة واسعة من الذيوع والانتشار والتغطيات الإعلامية في العالم الناطق باللغة الإسبانية: «حفلة التيس» التي تنتقد الأنظمة الدكتاتورية في أميركا اللاتينية. كما أنه يدلي بدلوه بين الفينة والأخرى في القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها إسبانا وأوروبا وأميركا في الوقت الراهن.

يقول يوسا: «أنا تلميذ سارتر الذي يعد الكلمات أفعالاً، ويؤمن بأنّ الأدب يغيّر الحياة. غريب عصرنا حيث اليمين ليس على اليمين، واليسار ليس في اليسار، والوسط لم يعد في الوسط». وما فتئ يوسا ينتقل بين هذه الجهات الثلاث منذ ثمانية عقود كطائر السّنونو مترنّحاً متأرجحاً بين هذا وذلك وذاك! وكان يوسا قد خرج عن صمته، وصرّح أنه يتفهّم مطالب الحركات الأحتجاجية للشباب الإسباني الغاضب على الأوضاع في بلاده بعد أن تفاقمت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في إسبانيا منذ بضع سنوات. وعمّت موجات الناقمين أو الساخطين من الشباب العديد من المدن الكبرى، وحذّر يوسا من مغبّة النتائج الوخيمة التي يمكن أن تنجم من جرّاء هذه الاحتجاجات التى أطلق عليها «ديمقراطية الشارع»، وأكد أن الديمقراطية لها قنواتها ووسائلها الخاصّة التي بواسطتها يمكن للمواطنين أن يعبّروا عن آرائهم واحتجاجهم أو انتقادهم، وقال إنّه من الخطورة بمكا? أن ننأى أو نخرج عن هذه القنوات التي توفرها الديمقراطية.

إن هوَس يوسا بالأدب لم ينضبّ، وهيامه بالحياة لم يفترّ، والدليل أنه يعيش قصّة حبّ عارمة مع «إيزابيل بريسلر»، وهي امرأة من أصل فليبيني تنتمي اليوم للمجتمع المخمليّ الإسبانيّ، وقبل أن تتزوّج من يُوسا تزوّجت ثلاثة من كبار المشاهير في إسبانيا (المغنّي خوليو إغليسياس، والماركيز دي كرينيُون، ووزير الاقتصاد الأسبق مِيغيل بُويير).

من مؤلفات يوسا المعروفة: «حرب نهاية العالم»، و«من قتل بالومينو موليرو»، و«الفردوس على الناصية الأخرى»، و«البيت الأخضر»، و«حديث في الكاتدرائية».

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress