محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

الإبداع والتجديد في »مدائن الحضور والغياب« لـ عبد الناصر صالح

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
رفعت زيتون (كاتب فلسطيني)

يجعلك ديوان «مدائن الحضور والغياب»، بدءاً من صفحته الأولى، تشعر أنك أمام شاعر من الصفوف الأولى بلغته وفكره وأسلوبه واشتغاله وبصوره الشعرية وإسقاطاته وانزياحاته. فعندما يوظف عبد الناصر صالح كل ذلك في بضعة سطور، فهذا دليل أننا أمام شاعر يعرف ما يريد ويمسك جيداً بحبال البيان.

قصيدة «البدوي»، القصيدة الأولى في الديوان، تلخّص كثيراً مما كُتِبَ من قصائد، وكأننا اتفقنا على قهر الظلام بسيف الكلمة الصادقة. وفيها دعوةٌ للخروج من كل القيود، ولفتح الأبواب على مصراعيها للنور الجديد.

يضعنا الشاعر أمام سيل من التساؤلات المباغتة دون انتظار للإجابة، فها هو يبدأ القصيدة بجملة:

«لا وقت للعناب كي يشتطّ في النسيان».

لا يريد شاعرنا من ذلك البدويّ أن يضيع المزيد من الوقت في التفكير، بل يفتح عينيه على أنصاب الجهل والظلام وأولئك الذين شوّهوا وجه المسيح، ومغول العصر المتمترسين خلف القلاع.

واختيار كلمة «البدوي» كان موفّقاً لمحادثة العربي، فصورة البدوي في كل الأذهان أنه عربيّ. وهذا ابتعاد عن المباشرة في الحديث، وهذا هو شأن الشاعر في كل ديوانه، فهو يحاكي كل شيء برمز شفيف لطيف غير موغل بالغموض، تاركاً للقارئ كثيراً من مساحات التفكير، ولكنه يسلّمه، كذلك، كثيرا من مفاتيح الفهم.

تراكيب مُذهلة، وصور بديعة مُتقنة، ولغة بتنا نفقدها هذه الأيام. جاء الشاعر ليقول، بكل ثقة وقوة، إن الشعر ما زال بخير، وإنّ له أهله المدافعين عن أصالته وجماله وسحره، وأنّ هنالك ما زال الكثير مما لذّ وطاب منه. يقول الشاعر:

«فلأي موت تنتمي

كي تبقى النجوم رهينةَ الضوء المراوغ

والسماءُ رهينةَ الغربانِ

والبرقِ المُزَيّفِ

أيُّ موتٍ يصطفيكَ لكي تؤرّخَ للقيامةِ».

هنا شعر يحاكي ما قدم لنا الكبار أمثال محمود درويش. وكذلك:

«الخيانة أدمنت لغة الخطاب».

و: «فاحمل صليبك

لست موسى كي تشقّ عصاك بحراً».

ويكرر السؤال:

«فلأيّ موت تنتمي».

عد كل هذا المشهد الأسود من ظلام، جاء شاعرنا لتغيير ما قاله مَن جاء قبله.

فقبله قالوا: «تعددت الأسباب والموت واحد»، وهو هنا يعيد ترتيب الأمور والمسميات ويعطيها تعريفات جديدة، فالموت في فلسفته لم يعد واحداً:

«أرمم سيرة الشجر المسجى في العراءِ

بلا مدائحَ كي يمرَّ دمي

وأعيدُ ترتيب الخريطة من بدايتها

إلى عام الفجيعة».

وما بين «الأسماء حاضرة» و«الأسماء غائبة»، تبقى أسئلة الشاعر تدقّ ناقوس المخاطر كي يصحو البدوي من سباته.

أما «حالات البحّار العاشق» فهي قصيدة برائحة الرمل وصوت الموج وألوان الفرح، وحروف ترصد المشهد من كلّ الزوايا وتغوص في أعماق النفس والبحر.

التصوير، هنا، يقفز درجات، تماماً كما نبض الشاعر عند اللقاء تحت مظلة العشق،

فتكتمل القصيدة ويغني الشاطئ أغنيته:

«الشمس تلبسُ تاجَها

وتفكّ قيدَ حنينها للبحرِ والأشجارِ

مسرعةً تمرّ كخطوتي

لتضيء أجنحةَ الحروفِ وغابة الكلمات».

هنا الإبداع في وصف اللهفة واللقاء والرغبة، وحتى اختلاس النظرة، يلمع خلف

جفون العشق كشمس تداعب سعف النخيل، تظهر وتختبئ خلفها في لحظات.

الشاعر، هنا، يعزف لحنه الجميل على وَتَريْن بتناغمٍ قويّ ومدروس، وتر الحروف

والكلمات برمزيتها وجمالها، ووتر الطبيعة بسحرها، برمالها وغيومها وشواطئها

وشمسها وشجرها:

«أذكرها تراقص موجة

فتحت ذراعيها

كعاشقة أمام البحر».

كم هي جميلة السباحة بين الحروف:

«أذكرها تجيء بثوبها الريفيّ

يعمرُ صدرها ألق الأنوثةِ

تستفزّ أيائل الغابات».

لقد طغا جمال الوصف بأسلوب بليغ بعيد عن الابتذال من القول، وبرمز جميل واستعارات تقول إن لحروف عبد الناصر صالح حلاوة طيبة المذاق.

لقد تنوعت جُمل شاعرنا بين الخبرية والإنشائية، وكلها وُظّفت لرسم اللوحة كاملة بألوانها التي أرادنا الشاعر أن نراها.

أما قصيدة «سلمت يُمناك» فعي قصيدة خَببيّة أدخلتني في حيرة التفسير. للعدد، هنا، دلالات حاولتُ أن أمسك بعض خيوطها، ورحت أضع افتراضات قد تكون صحيحة وقد لا تكون.

أربعة أصوات، هل هي مراحل حياة الفلسطيني، مذ كان طفلاً من أطفال الحجارة، إلى أن أصبح كهلاً حكيماً، فكانت الأصوات أجيالاً.

أم إنها أربعة ألوان، ولا أدري لماذا تراءى هذا التصور أمام ناظريّ، فربطتها بألوان العلم، فهل كانت كذلك؟

أم إنها أطياف الجرح الفلسطينيّ، بداخله وضفته وغزّته وشتاته؟

يبقى المعنى في بطن الشاعر، ولنا أن نحلّق على أجنحة التفسير والتفكير والخيال، وما يهمّنا هو هذا التأريخ والتوثيق لحياة هذا الكائن فوق هذه الأرض، ليثبت أن فوق هذه الأرض ما يستحق الحياة.

أما الصوت الخامس، فهو صوت الشاعر وكأنه صوت الراوي في الروايات التي نقرأها، ينظر من كل الزوايا ويتدخل في الشخوص ويحرك الحياة، يرصد الأحداث، يتنبّأ بما سيكون، وينظر بعين المتبصّر الباحث، ويطرح الواقع أمام القارئ، كما يراه ويتوقعه، محذراً دون تنبيه، فلا يجدر به أن يكون ملقناً، بل يجبر القارئ أن يأخذ العبرة وأن يستعد لما هو آت، وهنا لفتة ذكية لما يجب أن يكون عليه الشاعر غير إتقان الوزن والقافية والعروض والنحو.

وقد أخذت القصيدة طابع الحركة المكثفة باستخدام أفعال متلاحقة (سلمت، تهزّ، تطارد، تشعل، تبقى، تكبر، ترسم، يفوح، تحفظ، تتقن).

من جهة أخرى، تعددت في الديوان قصائد الإخوانيات، وفاءً للرموز، فكانت قصيدة «لم يبتعد صوتك المشتهى» وفاءً لفدوى طوقان، وقصيدة «وجه الغزالة.. ماسُ جدائلها» إلى فارس عودة، وقصيدة «يزهو بقامته» إلى عزت الغزاوي، وقصيدة «طيور الفينيق» إلى كفر قاسم. وقد اخترت القصيدة الأولى للحديث عنها، بشكل موجز، لأكثر من سبب، أحدها أسلوب الشاعر وتلك الصور التي تخللت القصيدة، وثمة سبب آخر هو الوفاء والتقدير لفدوى طوقان.

قصيدة «لم يبتعد صوتك المشتهى» التي جاءت على تفعيلة المتقارب، تشفّ عن حزن بعمق البحر، وحبّ بحجم الكون، ووفاء يجعل الدنيا أكثر جمالاً. فهي بكائية، بامتياز، على ما جاء فيها من جمال وبلاغة وصور:

«وحدك الآن.. لا لستِ وحدك».

حوار لطيف مع روح فدوى، كأن الشاعر يربّت على كتفها مهدّئاً روعها أنّ قلوب الكثيرين معها:

«لا لستِ وحدك،

تفتتحين البياض على أفق يتراوح بين بكائين».

وهل الحياة غير هذا الأفق الضّيق بين بكاء البداية وبكاء النهاية؟ ثم انتقال إلى الضفة الأخرى «خلف الجدار خطى الراحلين». وبعد هذا النفي القسريّ «من سيجهّز للموت أغنيته». هو الأسود المتأهب دائماً يجلس القرفصاء على بعد ثانية من الزمن لتكون المباغتة.

الشاعر لم يجعل البشر يبكونها بل أنْسَنَ الجبل، وبثّ الرّوح في الكلمات:

«ومن سيهدهد وجنة جرزيم

ومن سيحرر الأبجدية من صدأ الكلمات».

وهنا لفتة ذكية لدور الشاعرة وإبداعها، ودورها في تحرير الأبجدية من الصدأ

والابتذال والتقوقع.

وتتلاحق صور الموقف العصيب برمزية اتخذت أبعاداً أخرى، وارتفعت وتيرتها

أكثر مما حدث في القصائد السابقة، وربما كان هذا الارتقاء ضرورياً لرقيّ صاحبة الذكرى:

«الصدى ممعن في الأفول

فهلاّ نفضّتِ عن الثوب خيط الأفول».

من يتقن بثّ هذا الحزن بكلّ هذا الجمال وسحر البيان؟ فالصورة، هنا، مذهلة ومتقنة غاية الإتقان. ثم تنفجر الأسئلة على ثغر الشاعر، بعد سلسلة مُسلّمات تقوم عليها حياتنا ونفعلها في وداع الراحلين:

«أيّ رذاذ يغذّي أصابعنا

ثمّ يثمر معجزة بعد سبع شموس

وموت؟».

فهل، فعلاً، هذه الحياة عبثية إذا كانت كل النهايات تمرّ في ذات الطريق؟:

«فمن يفتح الآن باب الصباح على الأسئلة؟».

لكنه يعود ليقول إن مفارقة الأجساد لا تعني النهاية، فهناك من يتحولون إلى شيء آخر جميل، هناك من يصبح عطراً كلما تذكرناه وأغنيةً كلما مرّ طيفه: «لم يبتعد صوتك المشتهى عند مفترق العمر». كأنه يرفض فكرة الموت. لم يبتعد صوتها فهي حيّة ما زالت، ولكن، في المقابل، يأتي الإقرار، فالحزن لا يكون إلا على من رحل: «لم أبتعد عند حزني».

ثم تأتي ساعة العودة إلى الذات، ويعود بنا الشريط لرؤية الحكاية تدور من جديد كأنها فيلم سينمائيّ في أذهاننا، نحاول، عندها، أن نكتب قصيدة؛ فهل تكون القصيدة؟:

«كنت أزخرف غيم البدايات وحدي

فيرتجّ ماء يمرر فوق التراب عيون تراتيله

كنت وحدي».

هنا مفارقة عجيبة.. إن الشاعر لا يريدها وحيدة، وهي، حقيقة، وحيدة، ثم تلقي الوحدة بظلالها عليه، فيصبح هو الوحيد رغم أنه بين الجميع:

«وحدك الآن يزهو بعينيك ما تشتهيه الفراشة من ألفة الضوء».

ثم ينهي الشاعر قصيدته بفكرة مفادها أنّ أجساد الشعراء تموت ولكن كلماتهم حيّة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

أما قصيدة «مدائن الحضور والغياب» فقد جاءت على تفعيلة الكامل، وقد تجلّت قدرة الشاعر فيها على وصف المواقف الأشد عنفا على النفوس. يقول:

«ستجيء ذاكرة ونعبر ضفّة أخرى الى جهة البنفسج

سوف نعبر مثقلين بجرحنا المنسيّ صوب البحر».

في لحظة التوقف ثم السير بعكس عقارب الساعة للعودة إلى الفكرة الأولى، في تلك

اللحظة يتعاظم «المدى الثلجيّ»، وتجهض ببرودته الشمس، عندها لا جدوى من البكاء.

في تلك اللحظة الرهيبة الكئيبة تتهاوى المدن، ويجفّ الحبر، «وتفقد عباءتها الفصول». صور متلاحقة للغياب يسترسل بها الشاعر للأفول والمفارقة: «وقف الكلام على أصابعه»، «وانجلت طرقٌ مُغَلَّقةٌ».

إنها لحظات الانفتاح على البياض، حيث لا حجاب يسدّ الرؤية للعالم المخفيّ، فتنكشف طرق ما كانت جليّة من قبل، ويسقط القلم من يد الشاعر قبل انتهاء

القصيدة، وتُفتح الأجفان على مدن وقيود وغربة وسواتر بشرية لا تكتسي باللحم. وعندها كما يقول الشاعر: «لا مفرّ من الدجى»، ويكون العدم سيّدَ الأشياء.

يتجلى الشاعر بين هذه السطور، ويتألق في تصويره بلغة تحاكي المواقف دون الاقتراب منها أو التعرض لها مباشرة، ودون إيغال بالرمز. ولتبيان ذلك أعود إلى النصّ وأقرأ: «عمّا قريبٍ سوف يدركنا الحصى»، لننظر كيف يختصر الشاعر تجربة الحياة والموت في بضع كلمات يرسم بها الحتمية النهائية لكل شيء، دون الحديث لا عن حياة ولا عن موت. وكذلك: «يبدأ الإعصار رحلته وتختبئ الحروف»، إنها لوحة أخرى لتكتمل المشاهد.

ويقول الشاعر مستسلما للحقيقة التي لا بدّ منها:

«كأني كلما احترق الهواء على النوافذ

أستجير بغيمة عرجاء تسقي ما تناثر من شظايانا

وترفو ناينا المهدور».

ثم يسأل متعجباً ممن نا يزالون يتعلقون بحبال الأمل الزائف:

«هل ما زلت مشدوها بحلمٍ زائف؟».

ديوان «مدائن الحضور والغياب » احتوى على الكثير من الفكر والرؤى والشعر الإبداعيّ.

الألفاظ جزلة قوية لا ركاكة فيها، والوحدة الموضوعية موجودة من أول سطر وحتى آخر شهقة في القصيدة، والرمز عالي المستوى دون تعقيد أو غموض، مع ترك مفاتيح للقارئ للفهم. وهناك تنوّع في بحور الشعر، أو تحديداً تفعيلاته كالكامل والمتقارب والخبب.

وأخيراً، فإن الإبداع والتجديد واضحان في الجمل الشعرية والتراكيب والصور.

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress