محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

السخيف

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
ربا الناصر (كاتبة أردنية)

مشى في الساحة الخارجية تحت أشعة الشمس الحارقة وظلُّه أطول من جسمه، يندي جبينه بالعرق، وصل إلى الطابق الأول ملقيا التحية على من صادف من موظفي الطابق، ابتدأ بعامل البوفيه ومازحه بلكنة مصرية ثم مر على مكتبي، أطلق قهقهات سريعة قبل أن يعلّق ساخرا على لون حقيبتي ثم انطلق مسرعا كطلقة رصاص نحو مكتبه في الغرفة المجاورة، تاركا صدى قهقهاته تضج في أرجاء مكتبي دون أن تسنح لي الفرصة للرد عليه.

عبداللطيف صاحب شخصية قيادية، تجده ملمّا بكل شيء، حتى صغائر الأمور لا تكاد تخفى عليه، لذا هو أكفأ موظف في قسم التزويد، قلّما يخطئ وقلّما يرحم لسانُه السليط من يرتكب الهفوات عن غير قصد.

عُينتُ متدربة على أمل الحصول على وظيفة ثابتة بعد مرور ثلاثة شهور من التدريب، مما وضعني تحت مجهر إثبات الذات، خاصة أن مدربي هو عبداللطيف!

وقفت أمام مكتبه حاملة نسختي من التقرير الذي أعددته، متأملة أنامله وهي تمشط شعره المتموج إلى الوراء، وعينيه العسليتين كالصقر وهما تراجعان الأرقام وتتحققان منها. رمقني خلسة وقد رآني محدقة به فرسم ابتسامة ساخرة ثم علق: «أرقامك صحيحة لهذا اليوم، يبدو أنك أفطرت جيدا يا صغيرة». احمرّ وجهي واكتفيت بابتسامة خجولة ثم أنصتُّ جيدا لمهام اليوم مدونة بعض الملاحظات على الدفتر خاصتي ثم عدت إلى مكتبي.

وبينما أنا أراجع ملاحظاتي قرأت التاريخ أعلى الصفحة «الثامن عشر من حزيران»، تاريخ ميلاد عبداللطيف، فكرت جيدا قبل أن أعزم على شراء هدية له رغم جهلي بما يحب من مقتنيات، فتحت محفظتي وبدأت عد النقود: «خمسة، عشرة، عشرون». أظن أن المبلغ كاف لشراء هدية أيّا كانت.

حصلت على مغادرة لمدة ساعة وذهبت إلى أحد المتاجر القريبة من الشركة، طلبت من صاحب المتجر أن يعرض أمامي عدة خيارات لهدية بسيطة: ساعة يد، ربطة عنق، عطر رجالي، حمالة مفاتيح... نظرت إليها جميعا متخيلة رد فعل عبداللطيف عندما أقدم إحداها له. مما لا شك به أنني لن أسْلم وهديتي من لسانه وتعليقاته ناهيك عن قهقهاته التي ستضج في المكتب.. انتبه صاحب المتجر لشرودي فعرض علي مجموعة أخرى: «ما رأيك بهذا القميص؟ أتريدين الأسود أم الأبيض منه؟». نظرت إليه والحيرة تتلبسني وقلت له: «لا شيء»، ثم غادرت المتجر.

عدت إلى مكتبي وأكملت المهام التي اتفقت مع عبداللطيف على إتمامها، ومضى اليوم بهدوء ولم يحتفل أحد بعيد ميلاده، ولم يأبه لشأنه أحد من الموظفين.

مرت الشهور الثلاثة ووصلتني في نهايتها رسالة تفيد بتسلمي الوظيفة. بعدها بأسبوع علمت أن عبداللطيف استقال ووجد فرصة عمل في مجال أفضل لدى شركة كبرى. حزنت لفراقه بعد أن تعلمت منه أسلوبه الذي يتبعه في العمل، لذا قررت شراء هدية تذكارية له هذه المرة،كان يرسم ابتسامة خفيفة وهو يفتحها أمامي ثم أمسك بزجاجة العطر وقال ساخرا:

- إنه يبدو كمبيد حشري أكثر منه كعطر!

أجبته ضاحكة وقد اعتدت على تعليقاته:

- إذن، من المفيد أن تستخدمه حتى نتخلص منك أيها السخيف.

نظر لي مطولا متفاجئا من إجابتي، ثم انطلقت ضحكاتنا في آن واحد تضج في أرجاء المكتب.

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress