عرفت العلامة الأستاذ روكس بن زائد العزيزي لأول مرة عن طريق المراسلة، فإثر تخرجي من كلية الحقوق في الجامعة السورية ـ جامعة دمشق- وكنت في الثانية والعشرين من عمري...، بدأت أمارس المحاماة في مدينة اربد المجاورة لبلدتي الحصن، وأكتب بين الحين والآخر بعض المقالات في جريدة الأردن لصاحبها الصحفي الكبير خليل نصر، وفي جريدة الجزيرة وبعض الصحف الفلسطينية..
ويبدو أن الأستاذ العزيزي وكان ما يزال في القدس قد اطلَّع على بعض ما نشر لي من مقالات أدبية أو شعر في هذه الصحف، فكتب إليّ طالبا تزويده ببعض المعلومات الشخصية عني، وبنموذج من كتاباتي.. لأنه كما جاء في رسالته يعتزم إصدار كتاب عن الأدباء في الأردن، وكان ذلك قبل حوالي خمسين عاما..
بادرت بالرد على رسالة الأستاذ العزيزي وبتزويده بالمعلومات الشخصية التي طلبها.. ويومها أصابتني رسالته بالغرور.. وكان لسان حالي يقول.. ما دام الأستاذ العزيزي يرى فيّ أديبا وأنا في هذه السن الصغيرة، فإن من حقي أن أتيه فخرا..
ومرت الأيام، وكنت أتابع بإعجاب أخبار هذا الشيخ الجليل وكتاباته..إلى أن ارتحلت من الحصن إلى عمان بحكم عملي في القضاء...، وأصبحت الفرصة مهيأة للقائه والتعرف إليه عن كثب...، ومنذ ذلك الحين أي قبل أكثر من ثلاثين عاما ... أصبحت على تواصل شبيه مستمر مع أستاذنا العزيزي، وأصبح من عادتي أن أقوم بزيارته في منزله العامر الذي يصفه الأديب الكبير الأستاذ وديع فلسطين في مقال له بمجلة الهلال المصرية بقوله.. ( إنه كان كعبة يؤمها كل من يستنير برأيه..)
وكنت ألقى من العزيزي في كل مرة أزوره فيها، ترحيبا حارا ومودة خالصة، وأفوز بحديث وحوار أدبي وثقافي لا أحلى ولا أجمل..، فقد كان رحمه الله صديقا لا تمل صحبته ومحدثا لا ترتوي من حديثه.. وكان ممن يحسنون لقاء زائريه كما كان يحسن وفادة الغرباء...
و أذكر أن الأستاذ العزيزي زارني في بيتي مع صديق الطرفين العلامة جعفر الخليلي والد الأستاذة فريدة...
وأخذت لنا بعض الصور التذكارية، أرسلت إليه صورتين منها.. فكتب إلي يقول (.. إن قيمة الصورتين غالية عندي لأنهما التقطتا في بيت أستاذ له منزلة خاصة في قلبي، وأنها تذكرني بأنني كنت مهنئا بشفاء السيدة الفضلى أم عبد الله رحمها الله.)
وبالمناسبة فإن رسائل الأستاذ العزيزي إلي وهي كثيرة، تدل بوضوح على ما كان يتحلى به هذا الصديق ، من روح أخوية وقلب كبير، ومن دماثة وأدب وتواضع.. ولا شك أن في رسائله وأوراقه الخاصة ثروة أدبية وثقافية تستحق منا الاهتمام والتقدير..
لقد كانت تربطني والعزيزي صداقات مشتركة مع عدد كبير من الأدباء والمفكرين العرب...، منهم الأديب والقاص العراقي المعروف عبد المجيد لطفي، والصحفي الكبير صبيح الغافقي، والأديب الروائي ذو النون أيوب، بالإضافة إلى العلامة الأستاذ جعفر الخليلي وآخرين..
ومما يجدر ذكره أن الأستاذ العزيزي استقبل العلامة الخليلي الذي جاء من العراق للإقامة في الأردن مع كريمته الأستاذة فريدة، حيث حلاّ في بيته ضيفين مكرمين لمدة غير قصيرة.. وكان الموقف النبيل الذي وقفه من هذا العلامة الجليل وكريمته، أكبر دليل على حسن وفادته ونبل صفاته.
لعل أول ميزة تتبدى لدارس إبداعات العزيزي، هي عشقه للغة العربية التي أحبها منذ نعومة أظفاره حبا عظيما وعني بها عناية لا حدود لها..، وقد أمضى سنوات طويلة من عمره تجاوزت الخمسين عاما في تعليم هذه اللغة وآدابها..
لم يكتف العزيزي بتدريس اللغة العربية وسبر أغوارها والدفاع عنها، بل عني عناية فائقة وبذل جهدا كبيرا في التوثيق والتاريخ للتراث الشعبي الأردني...، وكل من يطلع على ما كتبه وأبدعه في هذا المجال، يتعرف إلى جزء مهم من تراثنا... فقد صدرت له مجموعة كبيرة من الكتب شكلت إسهاما غير مسبوق ورائع في إحياء التراث قبل أن يطويه النسيان..
من هذه الكتب موسوعته الكبرى ( معلمة للتراث الأردني ) في خمسة أجزاء، سدّت فراغا في المكتبة العربية، واحتلت مكانة خاصة إلى جانب كتب التراث قديمها وحديثها، وكان رحمه الله حريصا على أن يهدي إليّ نسخة من كتبه التي يصدرها، بعبارات تدل على التواضع والمحبة الصادقة والوفاء للأصدقاء....
وعندما صدر الجزء الرابع من المعلمة بعثت إليه بقصيدة شعرية مهنئا جاء في مطلعها...
يا شيخ يا ابن زايدٍ يا ابن العزيزي الأبي
يا عالما محققا وشامخا في الأدبِ
حققت للتراث والتاريخ أسمى مطلبِ
معلمةً خالدةً خلود شعر العربِ
وصنت تاريخاً وعادات لقوم نجبِ
وجاءني من الأستاذ العزيزي الرد التالي مع قصيدة شعرية رائعة ...( في يدي قصيدتك النابعة من القلب، أشكرك لما جاء فيها من ثناء عطر.. ما أنا بشاعر يا أخي ولا أقول الشعر فالشعر صعب وطويل سلمه) وفيما يلي بعض أبيات القصيدة:
تحية من معجبِ إلى سليــــل النـجـــــبِ
ابن الأباة الكرما مفخــــــرة للعــــــــربِ
يا ماجداً زينــــــه خـلـــق رفيــــع الأدبِ
أوليتني مكرمـــــة لها صـــدى في الحقبِ
مدحت لي معلمـــة بخلقــك المهــــــــــــذبِ
أبقاك ربي موئلا شهما رفيع المنصـــبِ
وقد سمحت لنفسي بذكر هذه الأبيات من قصيدة العزيزي الرائعة للدلالة على ما كان يتحلى به هذا الصديق الرائع من روح أخوية وقلب كبير ومن دماثة وخلق وتواضع بلا حدود.
والعزيزي وإن كان يقول ..،ما أنا بشاعر فإن الحقيقة تؤكد بأنه شاعر مطبوع ولكنه مقل، تدل على ذلك قصائده التي كتبها في رثاء المرحومة زوجته والتي نشرت في كتابه (جمد الدمع) كما يؤكد ذلك الأبيات الشعرية التي أرسل بها إليّ مهنئا بصدور مجموعتي الشعرية أغاني عام ...1992 وأسمح لنفسي ثانية، وأرجو أن يسمح لي القراء الكرام بأن أذكر هذه الأبيات الشعرية الرائعة لما تضمنته من جمال وجزالة شعرية تؤكد من جديد على شاعرية هذا الرائد العربي الكبير والمفكر الإنسان الطيب النبيل... والأبيات هي :
أضفت للشعر مقياسا يعزبــــــــــه
الفضلَ والنبلَ والأخلاق والكرما
وصنته من خسيس القول يفسده
فجاء قولك فعلا يشحذ الهمما
لم تهج قوما ولم تأت ببائقــــــــــة
فكنت شهما وفيا يحفظ الذمما
لا عيب في الشعر ما لم يهف قائله
أو يطمس الحق أو يأتي الذي حرما
مهذب القول صافي الخلق نعرفكم
صيت نزيه على الأيام ما ثلما
هذا عليٌّ إمام الدين نعشقــــــــــــه
قد شرّف الشعر بالشعر الذي نظما
هذي تحـــــية خل جد مفتخـــــــر
حياك ربي وأحياك الذي حكما
لقد استحق فقيدنا الكبير روكس العزيزي لقب (علاّمة) الذي اشتهر به عن جدارة واستحقاق...، ويمتاز العزيزي بدوره الأبوي والفكري والثقافي في الحياة الأدبية والثقافية في الأردن... ولعله من الكتاب القلائل الذين تجاوزوا المائة وبقوا محتفظينً بذاكرتهم وقدرتهم الفائقة على مواصلة العطاء والإبداع. كما أنه قد يكون من الكتاب القلائل أمثال عباس محمود العقاد الذي لم يتلق التعليم الثانوي أو الجامعي ومع ذلك فإن مؤلفاته تدرس في المدارس والجامعات. خاصة وأنه عمل في التدريس أكثر من خمسين عاماً... هذا بالإضافة إلى تواضعه الجم وكرمه ووفائه، وجلده ومثابرته على الكتابة والتأليف والرد على رسائل القراء والمعجبين بأسلوبه العذب ولغته الرشيقة وخطه الجميل.. كل ذلك من غير الاستعانة بأحد باستثناء ما كانت تقدمه له كريمته الآنسة نائلة أو ابنة صديقه المرحوم العلامة جعفر الخليلي الأستاذة فريدة التي كان يعدها كإحدى كريماته، من عون ورعاية.
ولا يفوتني أن أذكر أنه رحمه الله أكرمني بوضع مقدمة للكتاب الذي ألفه الشابان كايد هاشم ومحمد المشايخ عن مؤلفاتي الإبداعية بعنوان:
(مبدعون من الأردن ـ ماجد ذيب غنما).
لقد كانت صداقتي للأستاذ الشيخ العزيزي مصدر فخر واعتزاز لي، فقد كان شخصية فريدة في أدبنا الحديث، كان رحمه الله عالما كبيرا وإنسانا ومعلما.. رقيق القلب.. وكان كبيرا وطيبا.. واصل حياة العطاء إلى النهاية رغم وهن صحته، وكان ذا شعور رقيق مرهف وحسٍ طاهر وخلق متين رفيع.. وإنك لعلى خلق عظيم..
تجاوز بقامته الآخرين.. وقد كتب بأمانة الرواد وعمقهم، وكان من أعلم علماء قومه في التراث وأوسعهم إحاطة بالمعارف ، وكان الوفاء من أطيب صفاته..
العزيزي هبة مادبا والبادية للأردنيين والعرب. أما إبداعاته وهي متعددة ومتنوعة فهي ثمرة ما امتاز به من طول الجلد على البحث والتنقيب والاستقصاء ومن ذكاءٍ وثقافة واسعة ومن حب للعربية والبادية.
وقد استحق رحمه الله الشكر والتقدير في حياته على عطائه واستمرار هذا العطاء، وكما استحق الخلود بعد وفاته.. وعلو في الحياة، وفي الممات..
رحم الله فقيدنا الكبير الشيخ الجليل روكس العزيزي رحمة واسعة واسكنه فسيح جناته وعوضنا عن فقده خير عوض.