محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

عندما فقدنا القدوة

طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
فايز الفايز في ظل ضياع الشخصية الوطنية الاجتماعية والسياسية عبر عقود مضت، ورحيل زعامات كان يشار لها بالبنان وطواها النسيان الممنهج، نرى المشهد التراجيدي للحالة الوطنية وكيف تضاءلت فرص خلق زعامات على كافة المستويات ابتداءً من رجل العائلة حتى القيادات المجتمعية، ومن هناك نرى كم هي المأساة التي أفقدتنا صفة «الرجل القدوة» التي طالما شهدناها في بدايات حياتنا، ولا زلنا نبحث عنها بين آلاف الأسماء التي تدعي ما ليس فيها، أو تأتي بهم الصدف الممتازة ليجلسوا مقاعد ليست لهم في كل زاوية من زوايا الوطن والمجتمع.

مما سبق، سأستذكر قصة لإحدى العشائر العربية التي كان يقودها رجل بليد وقصير النظر ضمن إمارة حائل شمال الجزيرة العربية زمن آل الرشيد بداية القرن العشرين، إذ كان ابن رشيد كسلالة حاكمة هو المانع والمعطي، وكانت تلك العشيرة موضوع الحديث تسكن في مناطق يسيطر عليها ابن رشيد، ويتزعمهم الرجل المذكور صفته أعلاه، وكان من ضمن رعيته شاب لم يتجاوز سن الرجولة الكاملة في كنف والدته، تحت خيمة ليس فيها مؤونة ولا سيف يقطع به الطريق، حتى جاء اليوم الذي قرر فيه الخلاص من تلك التبعية المملة للنهج الأبوي لشيخهم البخيل، فقرر أن يشد ?لرحال الى الأمير عبيد بن رشيد وكذا فعل.

وصل الفتى واسمه خالد الى مجلس ابن رشيد، وجلس بعيدا عن مقعد الزعيم، ولم يرفع عينه عن مقعد من رأى به حكمة الرأي وسرعة الإنفاذ للقرار والفصل السريع في كل ما يرد له من قضايا، فيما عكف على حركة واحدة لم يتركها، وهي التبرم بشاربيه اللذين خطَا للتو، والأمير ينظر له دون تدقيق، حتى جاء الوقت الذي قرر ابن رشيد ان يسأل ذلك الشاب عن حركة يده التي يعاكف بها شاربيه بصمت واستغراق لما يجري في المجلس، فأجاب الشاب من فوره: يا أميرنا، أنا أعلّم شاربيّ على الطيب في مجلسكم الموقر، فأعجب الأمير بنباهة وذكاء الشاب، وسأله من هو ش?خكم فقال له إنه فلان، فأكرمه الأمير ومنحه قافلة من الإبل المحمولة بما يلزم وبيتا من الشعر، ثم قفل الشاب عائدا لأهله.

ما إن وصل الشاب الى ديرته وبنى بيته وسرّح إبله، حتى توارد الناس عليه مهنئين ومستغربين، سوى الشيخ الذي حسد الشاب بما جاء به، فقال لزوجه إذهبي وتحسسي لي الخبر عند «أم الولد»، فذهبت الزوجة الى أم خالد وباركت لها وسألتها ما الذي فعله ابنك ليحصل على ما حصل، فسردت لها الرواية بالتفصيل وكيف أُعجب الأمير بشخصية إبنها، وعادت لزوجها وقصت له الخبر، وهناك انتفض الشيخ وقرر المشي على خطى ابن رعيته الشاب نحو الأمير.

وصل الشيخ المدعي الى قصر ابن رشيد وتقمص شخصية الشاب وحركة شاربيه، والأمير يراه دون اهتمام، ثم دعاه لجانبه وسأله كما سأل الشاب عن سر حركة شاربيه، فأجاب بنفس إجابة الشاب الفطن، أعلم شاربي على الطيب والفخرعندك، فما كان من ابن رشيد إلا أن ضربه برجله، وقال له: من لم يعلّم شاربه على الطيب وهو شاب لا يربى له شارب طيب وهو «شايب» أي عجوز، وقرر فورا عزله عن زعامة تلك العشيرة وتنصيب الشاب زعيما عليهم بجدارته، واحترامه لجماعته وتسامحه معهم، حتى ساد عليهم.

اليوم كم نرى من أجسام ضخمة وعقول صغيرة، وتزييف للتاريخ واصطناع للشخصيات العاجزة وضياع القدوة التي تربينا عليها في مجتمعنا، حتى لم يعد هناك الكثير ممن يدربون شواربهم على الحق والطيب، في ظل نزاع لا يكاد ينتهي بين فئويات ضيقة، تقابلها نزعة عنف عقلي لا يقبل فيها أحد بالأخر، ويستقوي بها القوي بسلطانه على الضعيف بفقره، حتى فقدنا صورة الرجل القدوة، وما أكثرهم ولكنهم يخجلون من الوقوف في صف المستجدين.

Royal430@hotmail.com

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress